مناقشة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابنيت) لخطوات تصعيدية ضد الفلسطينيين ليست حدثًا معزولًا، بل رد مباشر على الموجة المتوقعة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين خلال سبتمبر/أيلول المقبل، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذه الاعترافات، التي يُتوقع أن تأتي من دول أوروبية وغربية جديدة، تمثل تحديًا دبلوماسيًا لإسرائيل، لأنها تنقل النقاش حول الدولة الفلسطينية من مربع المفاوضات الثنائية إلى إطار الشرعية الدولية.
التسريبات عن نية الحكومة الإسرائيلية مناقشة فرض السيادة على أجزاء من الضفة الغربية، أو الدفع بمشاريع استيطانية كبرى مثل مخطط "E1"، تكشف عن توجه لتكريس سياسة الأمر الواقع.
هذا المخطط بالذات، الذي يربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم، يعني عمليًا تقطيع الضفة وعزلها، ومنع أي تواصل جغرافي لدولة فلسطينية مستقبلية، أي أن الخطوات العقابية ليست مجرد رد سياسي، بل محاولة استباقية لإجهاض أثر الاعترافات الدولية عبر خلق واقع جغرافي يصعب التراجع عنه.
النقاش حول إخلاء خان الأحمر، وهو تجمع بدوي صغير طالما اعتبر رمزًا لمواجهة سياسات التهجير، يأتي أيضًا في هذا السياق. الحكومات الإسرائيلية السابقة امتنعت عن هدمه خشية ردود الفعل الدولية، لكن حكومة نتنياهو الحالية تسعى لاستخدامه كرسالة بأن أي ضغط دولي سيقابل بخطوات ميدانية مضادة.
إضافة لذلك، يبرز خيار مصادرة أموال السلطة الفلسطينية كأداة ضغط اقتصادي موازٍ للخطوات الميدانية هذه السياسة ليست جديدة، لكنها تتجدد كلما أرادت إسرائيل تقليص هامش المناورة لدى السلطة، وإظهارها أمام شعبها بمظهر العاجز.
ما يعزز خطورة هذه الخطوات هو تزامنها مع فترة الأعياد اليهودية، حيث يستعد الجيش لاحتمال اندلاع مواجهات واسعة في الضفة الغربية. التحضير لاستدعاء قوات احتياط يشير إلى أن إسرائيل تدرك أن أي قرارات من هذا النوع قد تشعل الأرض، لكنها تراهن على أن الردع العسكري قادر على السيطرة على الميدان.
في الجوهر، الرد الإسرائيلي المرتقب يعكس خشية متزايدة من أن يتحول الاعتراف الدولي بدولة فلسطين إلى مسار سياسي متسع يصعب احتواؤه. لذلك تسعى حكومة نتنياهو إلى فرض معادلة جديدة: كل اعتراف دولي سيقابله تصعيد ميداني وعقوبات مباشرة، في محاولة لتقويض أثر الدبلوماسية الفلسطينية وإعادة الصراع إلى منطق القوة.