قرار الولايات المتحدة بحرمان قيادات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير من التأشيرات، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يمكن قراءته كإجراء إداري فحسب، بل كرسالة سياسية ذات أبعاد متعددة.
فالخطوة تأتي في لحظة تتعثر فيها جهود وقف الحرب في غزة، وتتراجع فرص استئناف أي عملية تفاوضية حقيقية، ما يجعل واشنطن تبحث عن أوراق ضغط إضافية على الطرف الفلسطيني.
من الواضح أن الإدارة الأميركية تربط مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية بمحددات ثلاثة: الموقف من العنف، التوجهات القانونية الدولية، ومحاولات انتزاع اعتراف بدولة فلسطينية خارج إطار التفاوض. فالإشارة إلى “مذبحة السابع من أكتوبر” في بيان الخارجية الأميركية تكشف أن واشنطن تعتبر أن الخطاب التعليمي والسياسي الفلسطيني ما زال يغذي حالة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، وبالتالي ترى أن أي شراكة في عملية سلام مشروطة بقطع هذه الصلة بشكل واضح وصريح.
في البعد القانوني، يبرز قلق أميركي متزايد من تحركات السلطة في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وهي مسارات تمنح الفلسطينيين أدوات بديلة للتأثير، خارج المفاوضات المباشرة.
واشنطن ترى في هذه التحركات تهديدًا لتوازن القوى التفاوضي، لأنها تفتح المجال لمساءلة إسرائيل دوليًا وتقييد هامش تحركها العسكري والسياسي من هنا جاء الشرط الأميركي بوقف هذه “الحملات القانونية”، باعتبارها عائقًا أمام ما تسميه عملية سلام متفاوض عليها.
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن السعي الفلسطيني للحصول على اعترافات دولية أحادية بالدولة الفلسطينية يُعد تحدياً آخر للرؤية الأميركية، التي ترفض أي مسار لا يمر عبر تفاهمات مع إسرائيل.
لذلك فإن منع الرئيس محمود عباس ومسؤولين بارزين من دخول الولايات المتحدة قبل اجتماعات نيويورك يشكل وسيلة لإضعاف حضورهم على المنصة الأممية، وبالتالي تقليل فرص استثمار هذا التجمع الدولي في توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
في النهاية، يظهر أن قرار التأشيرات ليس مجرد إجراء عقابي، بل هو جزء من سياسة أميركية أوسع لإعادة ضبط حدود الحركة الفلسطينية: لا مبادرات قانونية دولية، لا تحريض، ولا خطوات أحادية في الاعتراف بالدولة. وبهذا تسعى واشنطن إلى دفع السلطة إلى مربع التفاوض بشروط أكثر تقييدًا، مع إرسال رسالة واضحة أن تجاوز هذه الخطوط الحمراء سيقابل بعزلة متزايدة وضغوط دبلوماسية متصاعدة.