مجاعة غزة تحت أنظار العالم.. والفاتيكان يرفع الصوت ضد "حكم بالإعدام"

2025.08.28 - 09:38
Facebook Share
طباعة

 أمام آلاف الحضور في ساحة القديس بطرس، وجّه البابا ليو الرابع عشر نداءً غير مسبوق، وصف فيه ما يحدث في غزة بأنه "عقاب جماعي" يطاول شعبًا بأكمله. كلمات البابا جاءت محمّلة بقلق ديني وأخلاقي، حين شدّد على أنّ الترحيل القسري للفلسطينيين من أرضهم لا يمكن تبريره لا سياسيًا ولا دينيًا، معتبرًا أن الحرب تحوّلت إلى "آلة خراب وموت"، تستهدف الأبرياء وتترك مدنًا مدمرة وأطفالًا جائعين.

لم يقتصر خطاب البابا على الجانب الإنساني، بل تناول أيضًا ملف الرهائن المحتجزين في غزة. فقد دعا إلى الإفراج الفوري عن نحو خمسين شخصًا لا يزالون محتجزين منذ هجوم السابع من أكتوبر، مؤكّدًا أنّ إطلاق سراحهم خطوة أساسية لإعادة بناء أي ثقة بين الأطراف. غير أن نداءه تضمن في الوقت ذاته تحذيرًا من تحويل ملف الرهائن إلى ذريعة لمواصلة الحرب أو تعميق معاناة المدنيين الفلسطينيين.

الكنائس في غزة: الحضور رغم الموت

أحد أبرز عناصر الخطاب البابوي كان الاستشهاد بموقف البطريركيات المسيحية في القدس. فالكهنة والراهبات في غزة أعلنوا أنّهم سيبقون إلى جانب المدنيين العالقين داخل الكنائس، رغم أوامر الإخلاء التي وجّهها الجيش الإسرائيلي. بالنسبة لهم، فإن مغادرة المكان تعني ترك الضعفاء والجوعى للموت المحتم. البابا شدّد على أنّ هذا القرار يمثل شهادة إيمانية، لكنه في الوقت ذاته يعكس حجم المخاطر التي يتعرض لها المسيحيون والمسلمون على حد سواء تحت الحصار.

يأتي خطاب البابا في لحظة ميدانية معقّدة. فالجيش الإسرائيلي يواصل توجيه إنذارات لسكان غزة لمغادرة منازلهم "طوعًا"، في حين تؤكد منظمات حقوقية أنّ هذه الإجراءات تشكل عمليًا محاولة لفرض تهجير جماعي على مئات الآلاف. التحضيرات العسكرية الإسرائيلية لهجوم جديد داخل مدينة غزة تثير المخاوف من موجة نزوح جديدة، قد تُفضي إلى إعادة رسم ديموغرافي دائم للقطاع، وهو ما حذّر منه البابا ضمنًا في حديثه عن "الترحيل القسري".

فيما يزداد المشهد الإنساني قتامة. تقارير وزارة الصحة في غزة، المدعومة ببيانات منظمات دولية، تشير إلى أنّ عدد الذين قضوا جوعًا تجاوز 300 شخص، بينهم أكثر من 100 طفل. صور الأطفال الهزالى والمرضى في المستشفيات المحاصرة تحولت إلى أيقونة لهذه الحرب، التي باتت تُوصَف بأنها ليست فقط عسكرية، بل مجاعة مفروضة بالقوة. البابا حذّر من أن استمرار منع المساعدات يرقى إلى "حكم بالإعدام على المدنيين"، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لوقف هذه الكارثة.

تاريخيًا، اعتاد الفاتيكان على اعتماد خطاب متوازن في النزاعات الدولية، لكن الموقف الحالي يتجاوز الدبلوماسية الحذرة. فتبني مصطلحات مثل "العقاب الجماعي" و"الترحيل القسري" يضع إسرائيل تحت ضغط أخلاقي مباشر من أرفع سلطة روحية مسيحية في العالم. هذه اللغة الجديدة قد تعكس إدراكًا داخل الفاتيكان بأن الحرب لم تعد مجرد نزاع عسكري، بل تهديد وجودي لشعب بأكمله، وتحديًا للقيم الإنسانية التي تدافع عنها الكنيسة.

النداء المفتوح

نداء البابا لوقف دائم لإطلاق النار ليس مجرد دعوة أخلاقية، بل يعكس إدراكًا بأن استمرار الحرب سيترك جروحًا لا تندمل في الوعي الجمعي الفلسطيني، كما سيقوّض أي فرصة للتعايش أو الاستقرار في المنطقة. وبينما تتزايد الأصوات الدينية والحقوقية المطالبة بوقف النزيف، يبقى السؤال: هل سيلتقط المجتمع الدولي هذا النداء ويترجمه إلى ضغوط سياسية، أم ستظل غزة ساحة مفتوحة للحرب والموت والتهجير؟

من الحياد الدبلوماسي إلى المواقف الأخلاقية

منذ النكبة عام 1948، تبنى الفاتيكان مواقف حذرة تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. في البداية، ركّز على حماية الأماكن المقدسة في القدس وضمان حرية العبادة، دون الدخول في تفاصيل الصراع السياسي. لكن مع مرور الوقت، وخاصة بعد حرب 1967 واحتلال القدس الشرقية، بدأت الكنيسة الكاثوليكية تتخذ مواقف أكثر وضوحًا، مطالبة باحترام قرارات الأمم المتحدة وضمان حقوق الفلسطينيين.

اتفاقيات أوسلو والتوازن الكنسي

مع توقيع اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، دخل الفاتيكان مرحلة جديدة، إذ اعترف رسميًا بدولة إسرائيل عام 1993، لكن في الوقت ذاته شدّد على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبرًا أنّ "السلام العادل" يتطلب الاعتراف بحقوق الشعبين. هذا التوازن ظل سمة أساسية في خطابه: اعتراف بواقع سياسي مع تأكيد مستمر على حق تقرير المصير للفلسطينيين.

البابا يوحنا بولس الثاني وزيارات الأراضي المقدسة

أبرز محطة في علاقة الفاتيكان بالقضية كانت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى الأراضي الفلسطينية وإسرائيل عام 2000، حيث زار مخيم الدهيشة للاجئين وأكد على "المعاناة المستمرة للشعب الفلسطيني"، في خطوة رمزية قوية. هذه الزيارة أعطت بعدًا عالميًا للقضية، ورسّخت فكرة أنّ الكنيسة لا تكتفي بالجانب الروحي، بل تنخرط أيضًا في الدفاع عن حقوق الشعوب.

البابا بندكتوس والبابا فرنسيس: خطاب أكثر وضوحًا

خلال العقدين الماضيين، شهد خطاب الفاتيكان تطورًا أكبر. البابا بندكتوس السادس عشر دعا في 2009 إلى إنهاء الحصار على غزة، بينما اتخذ البابا فرنسيس مواقف أكثر جرأة، إذ وصف الصراع بأنه "حرب على المدنيين"، واستقبل شخصيات فلسطينية في الفاتيكان، بما في ذلك الرئيس محمود عباس، الذي منحه لقب "ملاك السلام". هذه المواقف أثارت جدلًا واسعًا في إسرائيل، لكنها عززت صورة الكنيسة كطرف منحاز لحقوق الإنسان.

البابا ليو الرابع عشر والموقف الحالي

في السياق الحالي، يبدو البابا ليو الرابع عشر مستمرًا في النهج ذاته، لكنه استخدم لغة أكثر حدة من أسلافه. مصطلحات مثل "العقاب الجماعي" و"الترحيل القسري" تحمل أبعادًا قانونية وأخلاقية، ما يعني أنّ الفاتيكان يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والضمير العالمي. هذه الخطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحرب في غزة لم تعد نزاعًا عسكريًا عاديًا، بل تهديدًا وجوديًا لشعب بأكمله.

دلالات الموقف البابوي

يحمل الموقف الأخير للبابا دلالات متعددة تتجاوز حدود الخطاب الديني التقليدي، إذ يمكن قراءته على ثلاثة مستويات متداخلة:

دينيًا: الرسالة التي أراد الفاتيكان إيصالها واضحة؛ الكنيسة الكاثوليكية لن تتخلى عن وجودها الرمزي والفعلي في غزة مهما بلغت المخاطر. قرار الكهنة والراهبات بالبقاء إلى جانب المدنيين في الكنائس، رغم تهديدات الإخلاء، يعكس تجسيدًا عمليًا لفكرة "الشهادة" والالتزام الروحي بحماية الضعفاء. هذا البعد الديني يعطي خطاب البابا قوة مضاعفة، لأنه ينقل القضية من إطار سياسي إلى إطار يرتبط بالضمير الإيماني العالمي.

إنسانيًا: تركيز البابا على المدنيين، ولا سيما الجائعين والأطفال، يعكس رؤية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. الفاتيكان، من خلال هذه اللغة، يضع المأساة الإنسانية في صدارة المشهد، ليذكّر العالم بأن القضية ليست مجرد نزاع عسكري أو سياسي، بل كارثة إنسانية تمس حق الإنسان في الحياة والكرامة. ومن خلال استخدام مفردات مثل "العقاب الجماعي" و"حكم بالموت"، يرسّخ البابا خطابًا يهدف إلى تحريك الرأي العام الدولي على أساس إنساني بحت.

سياسيًا: لغة البابا تحمل ضغطًا غير مباشر على الحكومات الغربية، خصوصًا تلك التي تتأثر بالقاعدة الكاثوليكية الواسعة. تبنّي خطاب واضح وصريح ضد سياسات إسرائيل يضع هذه الدول في موقع حرج، ويصعّب عليها الاستمرار في تبرير دعمها المطلق لتل أبيب. بهذا المعنى، فإن الفاتيكان لا يكتفي بالجانب الروحي، بل يوظّف سلطته الرمزية لإعادة تشكيل المزاج السياسي الغربي تجاه الحرب في غزة، ما قد يفتح الباب أمام تحولات تدريجية في الخطاب الأوروبي والدولي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 4