تحولت مدينة الفاشر في شمال دارفور إلى بؤرة لأكبر الأزمات الإنسانية في السودان، بعد حصار خانق فرض على سكانها وسط تصاعد النزاع المسلح. منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" كشفت في بيان حديث حجم الانتهاكات ضد الأطفال، مؤكدة أنها تحققت من مقتل وإصابة أكثر من 1000 طفل خلال الأشهر الماضية، بجانب تعرض 23 طفلاً على الأقل لعمليات اغتصاب فردي وجماعي وانتهاكات جنسية مروعة.
الأرقام التي أعلنتها المنظمة ليست سوى جزء من واقع أوسع وأكثر قتامة، حيث يصعب الوصول الميداني والتحقق من الحالات في ظل استمرار الحصار.
التقارير تشير إلى أن الفاشر أصبحت مركزاً لمعاناة الأطفال، ليس فقط من العنف، بل من سوء التغذية والأمراض.
فقد جرى تهجير نحو 600 ألف شخص نصفهم من الأطفال خلال الأشهر الماضية، بينما لا يزال 260 ألف مدني بينهم 130 ألف طفل محاصرين داخل المدينة دون مساعدات منذ أكثر من 16 شهراً.
الوضع تفاقم إلى درجة دفعت الأسر لاستخدام تدابير بائسة للبقاء، مثل التداوي بالأعشاب أو الاعتماد على "الأمباز" – بقايا الفول السوداني والسمسم المخصص كعلف للحيوانات – كوجبة يومية.
حصار المدينة أدى إلى شلل كامل في خطوط الإمداد الإنساني، ما تسبب في توقف فرق التغذية المتنقلة والمرافق الصحية عن العمل، ووفقاً لليونيسف، فإن تعليق هذه الخدمات حرم أكثر من 6 آلاف طفل من العلاج من سوء التغذية الحاد الشديد، ليواجهوا خطر الموت دون أدوية أو أغذية علاجية.
كما أكدت المنظمة أن أكثر من 10 آلاف طفل كانوا قد عولجوا من سوء التغذية منذ مطلع هذا العام – وهو ضعف العدد مقارنة بالعام السابق – قبل أن تتوقف البرامج بالكامل بسبب نفاد الإمدادات.
من جانب آخر، وثقت الهجمات المتكررة على 35 مستشفى و6 مدارس في الفاشر، ما أدى إلى مقتل وإصابة مدنيين بينهم أطفال، وزاد من تدهور الوضع الصحي والتعليمي.
هذه الاعتداءات على البنية التحتية المدنية تعكس خطورة النزاع وتداعياته على الأجيال المقبلة.
الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية تحذر منذ أشهر من أن دارفور، والفاشر تحديداً، قد تكون أمام أزمة إنسانية تتجاوز حدود السودان مفوضية العون الإنساني بولاية شمال دارفور أوضحت أن الفاشر لا تزال تضم 845 ألف مدني يعيشون في ظروف كارثية من أصل 1.5 مليون كانوا يقيمون في المدينة قبل اندلاع القتال. هذا الرقم يوضح أن نصف سكان المدينة تقريباً اضطروا للنزوح أو الهروب، فيما يعيش الباقون في حصار يشبه "العزل الكامل".
تصف المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، المشهد بقولها إن "الأطفال في الفاشر يتضورون جوعاً بينما تمنع عنهم خدمات التغذية المنقذة للأرواح". وتؤكد أن منع الوصول الإنساني يعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الأطفال ويضع حياتهم على المحك.
الأرقام الصادرة من المنظمات الدولية تضع العالم أمام حقيقة لا يمكن إنكارها: الأطفال أصبحوا الضحية الأولى للحصار. مقتل وإصابة 1000 طفل، اغتصاب 23 آخرين، تهجير 600 ألف نصفهم أطفال، وحصار 260 ألف بينهم 130 ألف طفل، كلها مؤشرات على أن الأزمة تجاوزت حدود الحرب التقليدية إلى كارثة إنسانية ممنهجة.
المراقبون يرون أن استمرار الحصار من دون هدنة أو ممرات إنسانية سيفتح الباب لمزيد من المآسي، خاصة مع تحذيرات منظمات الإغاثة بأن آلاف الأطفال قد يموتون في الأشهر المقبلة نتيجة الجوع والمرض. ولذلك تزداد الضغوط الدولية لتأمين هدنة إنسانية شاملة تسمح بدخول الإمدادات وتقديم العلاج العاجل.
الفاشر اليوم تعكس صورة مأساوية عن كيف يمكن أن تتحول مدينة مزدهرة ذات كثافة سكانية عالية إلى مسرح لمأساة إنسانية مركبة: حرب، جوع، حصار، وحرمان كامل من الخدمات.
الأطفال الذين يفترض أن يكونوا مستقبل المدينة هم الأكثر تعرضاً للخطر، وهو ما يجعل الأزمة في دارفور اختباراً للمجتمع الدولي حول قدرته على حماية المدنيين في النزاعات المسلحة