لم يكن النقاش حول وضع مستشفى سوروكا في بئر السبع مجرد جدل عابر أو تبادل للانتقادات بين مسؤول محلي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بل يعكس شبكة من الخلفيات العميقة التي ترتبط بالسياسة والأمن والمجتمع في إسرائيل. القضية في جوهرها تكشف عن معادلة غير متوازنة بين أولويات الدولة في مجال الأمن والتكنولوجيا، وبين استجابتها لاحتياجات الصحة العامة في المناطق الطرفية مثل النقب.
أولاً: الأهمية الاستراتيجية للمستشفى
سوروكا ليس مستشفى عادياً، بل يمثل الشريان الطبي الأساسي للجنوب الإسرائيلي، إذ يخدم نحو 700 ألف شخص، ويُعتبر نقطة الإسناد الطبي الرئيسة للجيش على جبهة الجنوب.
أي تراجع في قدرته التشغيلية يعني عملياً إضعاف قدرة الدولة على إدارة الأزمات الميدانية، خصوصاً في حال تصعيد عسكري واسع مع غزة أو إيران. الضرر الذي لحق به بفعل القصف الإيراني الأخير أبرز هشاشة البنية الطبية في مواجهة حرب متعددة الجبهات، وهو ما جعل الملف يتجاوز حدود النقاش المحلي.
ثانياً: النقب بين الوعود والواقع
منذ سنوات، قدّمت الحكومات المتعاقبة وعوداً بتحويل بئر السبع إلى مركز تكنولوجي عالمي، واستثمرت في البنية التحتية العسكرية والبحثية، وجعلت منها "عاصمة الإنترنت" كما يوصف رسمياً.
غير أن هذا التوجه لم ينعكس بالقدر ذاته على الخدمات الطبية والمدنية. هنا برزت الفجوة: مدينة تحولت إلى واجهة للتكنولوجيا والدفاع، لكن مستشفاها المركزي يعمل بموارد محدودة ويعاني من نقص في الدعم. هذه المفارقة تفسر غضب رئيس البلدية الذي يرى أن الأولويات لا تُدار بشكل عادل.
ثالثاً: الحسابات السياسية الداخلية
الهجوم العلني على نتنياهو من قِبل رئيس البلدية جاء في لحظة سياسية حساسة، إذ تستعد الأحزاب لمعركة انتخابية مقبلة. لذلك رأت قيادات من حزب الليكود أن تصريحات دانيلوفيتش تحمل بعداً انتخابياً أكثر من كونها مطلباً مهنياً. فالمعارضة الداخلية في الحزب اعتبرت أن الحكومة قدّمت الكثير للنقب، وأن التركيز المفاجئ على سوروكا جزء من حملة إعلامية تستهدف صورة الحكومة. بهذا المعنى، يتحول المستشفى إلى ورقة في لعبة سياسية أوسع.
رابعاً: البعد الأمني والرمزي
القصف الإيراني المباشر على المستشفى لا يحمل دلالة عسكرية فحسب، بل رسالة رمزية بأن العمق الإسرائيلي ليس محصناً، النقاش حول سوروكا إذن هو نقاش حول قدرة الدولة على حماية جبهتها الداخلية وتأمين مرافقها الحيوية. فالتحدي هنا لا يقتصر على إصلاح مبنى أو تجهيز غرف عمليات، بل يتصل بكيفية طمأنة السكان وتعزيز ثقتهم بأن الدولة قادرة على حمايتهم وتوفير الرعاية في أوقات الحرب.
خامساً: البعد الإنساني
وراء كل هذه الحسابات، تظل معاناة السكان والطواقم الطبية هي الوجه الأبرز للقضية. فالطاقم الطبي الذي يعمل في ظروف استثنائية يشعر بتجاهل حكومي لجهوده، والسكان يرون أن صحتهم ليست أولوية مقارنة بالملفات الأمنية والسياسية. هذا الجانب الإنساني يجعل الجدل أكثر حساسية، لأنه يمس الحياة اليومية للناس، وليس مجرد أرقام في ميزانية الدولة.
وشددت الصحف العبرية، إن أزمة سوروكا تكشف خللاً في ترتيب الأولويات بين الأمن والصحة والسياسة فهي اختبار لمصداقية الدولة في التعامل مع النقب، وجرس إنذار بشأن هشاشة البنية الطبية في مواجهة الحروب، وأيضاً مرآة تعكس طبيعة التوتر بين المركز والأطراف في إسرائيل.
ما بدا خلافاً عابراً بين رئيس بلدية ورئيس وزراء هو في الحقيقة سؤال أعمق: هل تستطيع الدولة الموازنة بين طموحاتها العسكرية والتكنولوجية وبين احتياجات مواطنيها الأساسية؟