دخلت العلاقات بين إسرائيل والبرازيل مرحلة جديدة من التوتر، بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع برازيليا، في خطوة عكست حجم الشرخ السياسي والدبلوماسي بين الجانبين. جاء القرار إثر امتناع البرازيل عن الرد على طلب رسمي إسرائيلي بالموافقة على تعيين غالي داغان سفيراً جديداً لدى برازيليا، وهو ما اعتبرته تل أبيب تجاهلاً غير مسبوق للأعراف الدبلوماسية، ودليلاً على تصاعد العداء السياسي منذ اندلاع الحرب على غزة.
الموقف الإسرائيلي
في بيان مقتضب، أكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن العلاقات الثنائية ستُدار الآن "على مستوى أدنى" بعد أن سحبت ترشيح داغان رسمياً. هذا الموقف يعكس انزعاج تل أبيب من ما وصفته بـ"النهج العدائي" الذي تتبعه الحكومة البرازيلية منذ هجمات السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب على قطاع غزة. القرار لم يكن مفاجئاً في ظل تراكم التوترات، لكنه يعكس انتقال الأزمة من مجرد تبادل تصريحات حادة إلى خطوات عملية على مستوى العلاقات الرسمية.
جذور الخلاف
تصاعد الخلاف بين الجانبين مع تصريحات الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي شبّه ما تقوم به إسرائيل في غزة بالمحرقة النازية، واعتبره "إبادة جماعية ضد الفلسطينيين". هذه التصريحات أشعلت أزمة غير مسبوقة، دفعت إسرائيل إلى اعتبار لولا "شخصاً غير مرغوب فيه" داخل أراضيها. منذ ذلك الحين، أخذت العلاقات منحى انحدارياً، وصولاً إلى رفض ضمني للبقاء على مستوى تبادل السفراء.
انعكاسات القرار
خطوة إسرائيل تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الدبلوماسي. فمن الناحية الاقتصادية، قد يتأثر التعاون التجاري بين الجانبين، حيث تُعد البرازيل سوقاً مهمة للمنتجات الإسرائيلية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والزراعة. وعلى الصعيد السياسي، من المتوقع أن تنخرط البرازيل بشكل أوسع في دعم المواقف الفلسطينية داخل المؤسسات الدولية، مستفيدة من ثقلها كقوة إقليمية في أميركا اللاتينية وعضويتها الفاعلة في منظمات دولية كالأمم المتحدة ومجموعة بريكس.
كما أن هذه الأزمة قد تدفع دولاً أخرى في المنطقة – مثل كولومبيا وتشيلي وبوليفيا – إلى تعزيز خطها النقدي ضد إسرائيل، ما يعني أن تل أبيب قد تجد نفسها في مواجهة جبهة لاتينية أكثر صلابة.
السياق التاريخي
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ترفض فيها البرازيل استقبال دبلوماسي إسرائيلي. ففي عام 2015، رفضت برازيليا تعيين داني دايان سفيراً بسبب خلفيته السياسية المرتبطة بالمستوطنات، ما أدى آنذاك إلى أزمة مشابهة. غير أن الخلافات الأخيرة تبدو أعمق وأكثر تعقيداً، لأنها لا ترتبط فقط بشخصية السفير، بل بسياسات مبدئية تعكس انحيازاً أيديولوجياً متصاعداً من حكومة لولا لصالح القضية الفلسطينية ومعارضتها الصريحة للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
خاتمة
قرار تخفيض مستوى العلاقات بين إسرائيل والبرازيل يعكس شرخاً متسعاً بين الجانبين، ويؤشر إلى أن الأزمة لن تكون عابرة. فالتوتر بات يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية ودبلوماسية قد تمتد لسنوات، وربما يعيد رسم طبيعة علاقة إسرائيل مع أميركا اللاتينية ككل. وفي الوقت الذي تتمسك فيه البرازيل بمواقفها المناهضة للحرب على غزة، تبدو إسرائيل مصممة على الرد بوسائل دبلوماسية، في مشهد يعكس كيف تحوّل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى أزمة عالمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.