البحر الأحمر.. هل يشتعل صراع جديد؟

وكالة أنباء آسيا

2025.08.24 - 09:54
Facebook Share
طباعة

 بعدما انشغل العالم بالحرب في غزة وأوكرانيا والسودان، تتجه الأنظار الآن إلى القرن الأفريقي حيث تتصاعد المخاوف من اندلاع حرب جديدة بين إثيوبيا وإريتريا حول ميناء عَصَب، وهو ما قد يفتح جبهة صراع إضافية في واحد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.

 

أزمة "المنفذ البحري"

إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي فقدت سواحلها بعد استقلال إريتريا عام 1993، لم تُخفِ يوماً رغبتها في العودة إلى البحر الأحمر. لكن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ذهب أبعد من ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 حين وصف السيطرة على منفذ بحري بأنها "مسألة وجودية"، مشيراً تحديداً إلى ميناء عَصَب جنوب إريتريا.

منذ ذلك التصريح، اشتعل التوتر بين أديس أبابا وأسمرة، وتحركت قوات البلدين باتجاه الحدود. ورغم نفي آبي وجود خطط للغزو، فإن شراء الأسلحة بكثافة، من المسيَّرات إلى المدرعات المخصصة للتضاريس الصحراوية، يُشير إلى أن الاستعدادات العسكرية جارية بالفعل.

 

تيغراي.. برميل بارود ينتظر الشرارة

الخطر الأكبر في أي مواجهة إثيوبية-إريترية يكمن في إقليم تيغراي المضطرب، الذي شهد بين عامي 2020 و2022 حرباً أودت بحياة ما يقارب 600 ألف إنسان. اتفاق السلام الموقع في بريتوريا عام 2022 كان يُفترض أن يُنهي النزاع، لكنه ترك ثغرات كبرى: بقاء قوات إريترية داخل الإقليم، وضم أجزاء واسعة منه إلى إقليم أمهرة المجاور، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص بلا عودة.

اليوم ينقسم قادة تيغراي بين فصائل متحالفة مع أديس أبابا وأخرى مع أسمرة، بينما يعاني السكان من انهيار الخدمات، وجوع متفاقم، ونزيف بشري مستمر. أي حرب جديدة ستجعل من تيغراي ساحة المعركة الأولى، وربما الأشد دموية.

 

توازنات متغيرة وصراعات متداخلة

لا يُنظر إلى ميناء عَصَب باعتباره منفذاً تجارياً فحسب، بل كورقة استراتيجية يمكن أن تغيّر موازين القوة في القرن الأفريقي. فإذا سيطرت عليه إثيوبيا، فإنها ستواجه عزلة دولية وتُصنَّف دولة معتدية. أما إريتريا، فحتى في حال خسارتها للميناء، تستطيع بسهولة دعم جماعات إثيوبية معارضة مثل ميليشيا "فانو" الأمهرية التي تخوض منذ العام الماضي تمرداً مسلحاً ضد الحكومة الفيدرالية.

الأزمة تتجاوز ثنائية أديس أبابا وأسمرة؛ فهي تمتد إلى الصومال، الذي أفشل اتفاقاً بين إثيوبيا وأرض الصومال كان سيمنح أديس أبابا منفذاً بحرياً. كما أن السودان الغارق في حرب أهلية قد يجد نفسه جزءاً من دوامة إقليمية جديدة، خاصة مع تشابك مصالح قوى إقليمية ودولية في البحر الأحمر.

 

فوضى الداخل الإثيوبي

منذ صعود آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، تعهد بإصلاح النظام الفيدرالي وبناء "إثيوبيا جديدة". لكن سرعان ما انقلبت طموحاته إلى أزمات متلاحقة: حرب تيغراي، تمرّد الأمهرة، وتصاعد التوترات مع الأورومو. هذه الانقسامات الداخلية تجعل أي مغامرة عسكرية خارجية محفوفة بالمخاطر، إذ قد تُسرّع انهيار الاستقرار الهش وتفتح جبهات إضافية داخل البلاد.

وفي إريتريا، يُراهن الرئيس أسياس أفورقي، الحاكم منذ أكثر من ثلاثة عقود، على استنزاف خصومه قبل أي مواجهة مباشرة. وهو يرى في إضعاف تيغراي أولوية استراتيجية حتى لا تعود الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قوة مهددة له.

 

الدور الغائب دولياً

في عقود سابقة، كانت احتمالات الحرب في القرن الأفريقي تدفع العواصم الغربية والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى التحرك الدبلوماسي السريع. أما اليوم، فالاهتمام الدولي مشتت بين أوكرانيا وغزة، والمنظمات الإقليمية تفتقد الفاعلية.

الكاتب أليكس دي فال والباحث مولوغيتا جبرهيويتي، اللذان تناولا هذه الأزمة في مقال بمجلة "فورين أفيرز"، يجادلان بأن الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد القادر على الضغط الفعلي، عبر ربط المساعدات المالية الضخمة المقدمة لإثيوبيا بتنفيذ اتفاق بريتوريا. فبدون هذا الضغط، ستظل الحكومة الإثيوبية تتملص من التزاماتها، وسيبقى الإقليم على شفا انفجار.

 

معضلة تيغراي مجدداً

قد تكون ورقة الحسم في يد تيغراي. فإذا التزم الإقليم الحياد ورفض الانخراط في أي مواجهة إثيوبية-إريترية، فسيصعب على آبي شن هجوم واسع على عَصَب. لكن انقسام الفصائل والتيارات داخل تيغراي، إضافة إلى الفساد الذي تغذيه ثروات التعدين والتهريب، يجعل احتمالات الحياد ضعيفة.

في حال اندلاع مواجهة، ستعود معاناة المدنيين إلى الواجهة: نزوح جديد، مجاعة أوسع، وانهيار ما تبقى من بنى تحتية. والأسوأ أن المجتمع الدولي قد لا يملك خطة أو رغبة لوقف نزيف جديد في منطقة أنهكها الصراع.

 

سيناريوهات مفتوحة

يبقى السؤال: هل الحرب وشيكة؟ المؤشرات العسكرية والتصريحات السياسية تجعل الاحتمال قائماً، لكن الحسابات المعقدة قد تؤخر الانفجار. فأي غزو إثيوبي لعَصَب سيكون مكلفاً سياسياً واقتصادياً، بينما إريتريا تدرك أن خسارة الميناء قد لا تُفقدها القدرة على الرد عبر وكلاء محليين.

السيناريو الأفضل هو تفعيل اتفاق بريتوريا، وانسحاب القوات الأجنبية من تيغراي، وإعادة النازحين، وفتح حوار سياسي شامل. أما السيناريو الأسوأ فهو انزلاق المنطقة إلى صراع إقليمي يجر السودان والصومال ويحوّل البحر الأحمر إلى بؤرة اشتباك جديدة بين القوى الكبرى.

 

الخلاصة

القرن الأفريقي يقف اليوم عند مفترق طرق: إما العودة إلى الحرب بما تحمله من كوارث إنسانية وإقليمية، أو استغلال ما تبقى من فرص لفرض سلام هش لكنه ضروري. وفي غياب ضغط دولي جاد، خصوصاً من واشنطن، فإن خيار الحرب قد يكون الأقرب.

فالمنطقة التي عانت حصاراً وتجويعاً ودماراً لسنوات قد تجد نفسها مرة أخرى رهينة لصراعات الزعماء، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر. والبحر الأحمر، الممر البحري الذي يمر عبره ثلث تجارة العالم، قد يتحول من شريان حياة إلى مسرح حرب مفتوحة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1