أثار إعلان الاتحاد اليهودي بنيويورك (UJA)، أكبر وأغنى اتحاد يهودي في أمريكا الشمالية، عن التبرع بمليون دولار لسكان غزة، جدلاً واسعًا يكشف عمق الانقسامات الداخلية بين اليهود الأمريكيين حول دورهم الأخلاقي والسياسي. الهدف المعلن هو تقديم مساعدات غذائية ودوائية وأنظمة تنقية مياه للعائلات النازحة، في قرار استثنائي يعكس تحركًا بعيدًا عن الممارسات التقليدية للجمعيات الخيرية اليهودية التي تركز غالبًا على دعم إسرائيل والمجتمع اليهودي.
الخطوة التي أقدم عليها الاتحاد اليهودي بنيويورك (UJA) أثارت جدلاً واسعاً ومعقداً داخل الأوساط اليهودية، ليس فقط على صعيد الرأي العام، بل أيضاً داخل النخبة القيادية للجمعيات اليهودية. يتضح من ردود الفعل المتباينة أن التبرع لم يكن مجرد مسألة مالية أو إنسانية، بل تحول إلى اختبار لمفهوم الهوية اليهودية الأمريكية، وطرحت أسئلة جوهرية حول الأولويات الأخلاقية مقابل الولاء القومي.
المؤيدون يرون أن هذه المبادرة تعكس التزامًا بالقيم الإنسانية العالمية، وأن الجمعيات اليهودية لا يمكن أن تقتصر على دعم المجتمع اليهودي فقط. بالنسبة لهم، تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في غزة، الذين يعانون من النزوح وفقدان البنية التحتية الأساسية، ليس خيانة، بل ترجمة عملية لمبادئ العدالة والرحمة. هؤلاء يرون أن اليهود الأمريكيين لديهم القدرة على الجمع بين الولاء لإسرائيل وبين التزام إنساني عالمي، مؤكدين أن الأزمة في غزة تفرض على الجميع تجاوز الاعتبارات الدينية والسياسية لتخفيف معاناة المدنيين.
في المقابل، المعارضون اعتبروا القرار خطوة مثيرة للجدل، وربما خطيرة، لأنها تتناقض مع التقاليد التاريخية للجمعيات اليهودية التي ركزت على دعم إسرائيل والمجتمع اليهودي. الانتقادات لم تقتصر على الجانب الرمزي فحسب، بل شملت توجيه اتهامات لإدارة الاتحاد باستخدام الأموال كأداة "لإظهار الأخلاق" بينما يتم تجاهل المصالح القومية واستراتيجية الدعم لإسرائيل، مما يفتح الباب أمام اتهامات بـ"خيانة القضية اليهودية".
على مواقع التواصل الاجتماعي، تجلى الغضب بشكل واضح، حيث انخرط مستخدمون في مقارنات مثيرة للجدل مع التاريخ، مثل الحرب العالمية الثانية، لتوضيح مدى عدم قبولهم للفكرة. وصف البعض التبرع بأنه "مربك أخلاقياً وغير مناسب"، مؤكدين أن تقديم الأموال للجانب الفلسطيني في سياق حرب غزة يعد إشكالاً كبيراً على مستوى الولاء والتقاليد، ويعيد النقاش حول الحدود التي يجب أن يضعها اليهود الأمريكيون بين المبادئ الإنسانية والانتماء القومي.
تدل هذه التفاعلات على أن القضية لم تعد مجرد قرار خيري، بل أصبحت محكًا للهوية اليهودية الأمريكية، وصراعاً بين توجه عالمي أخلاقي شامل وبين الولاء التقليدي لإسرائيل والمجتمع اليهودي. وهذا الصراع يبدو أنه سيستمر في التأثير على سياسات الجمعيات اليهودية الكبرى وعلى خطاب المجتمع اليهودي في السنوات المقبلة، خاصة في أوقات الأزمات والصراعات الإقليمية.
الصحافة اليهودية والانقسام الفكري
لم يقتصر الجدل على ردود فعل الجمهور ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد ليشمل الصحافة اليهودية الأمريكية والإسرائيلية، حيث عبّر كتاب ومدونون بارزون عن موقفهم النقدي بشكل لافت. من أبرز هؤلاء المدون دانيال مول، الذي وصف التبرع بأنه عمل "مربك أخلاقياً"، وهاجم إدارة الاتحاد لاعتبارها الصدقة مجرد "زينة أخلاقية" منفصلة عن حماية المجتمع اليهودي وضمان بقائه واستمراره. هذا النقد لم يقتصر على الجانب الرمزي أو الأخلاقي فحسب، بل تضمن أيضًا اتهامات واضحة بإضعاف الولاء التقليدي لإسرائيل وإحداث شرخ داخل الهوية اليهودية الأمريكية التي غالبًا ما ارتبطت بالدفاع عن الدولة اليهودية أولاً.
كما تناولت مقالات أخرى في الصحافة اليهودية مسألة الحدود بين الالتزام الأخلاقي العالمي والمصلحة القومية، معتبرة أن الجمعيات الخيرية الكبرى مثل UJA تواجه اليوم اختبارًا مزدوجًا: كيف يمكنها أن تحافظ على التزاماتها تجاه اليهود في جميع أنحاء العالم، وفي الوقت نفسه تظهر التزامًا إنسانيًا متسعًا يشمل غير اليهود المتضررين من النزاعات. بعض المحللين وصفوا المبادرة بأنها "إشارة على تحولات عميقة محتملة في النخبة اليهودية الأمريكية"، حيث بدأت قيم الإنسانية العالمية تتداخل مع الاعتبارات التقليدية للدفاع عن إسرائيل والمجتمع اليهودي.
ويكشف هذا النقد الصحفي عن انقسام فكري حاد داخل المجتمع اليهودي الأمريكي بين تيارين:
تيار الولاء التقليدي لإسرائيل: يرى أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لدعم إسرائيل والجاليات اليهودية حول العالم، وأن أي تحويل للموارد إلى أطراف غير يهودية في أوقات النزاع يشكل تهديدًا للهوية الجمعية للمجتمع.
تيار العالمية الأخلاقية: يرى أن اليهود الأمريكيين لديهم واجب إنساني أوسع، وأن الدعم للفلسطينيين في ظل الأزمات الإنسانية لا يتناقض مع الولاء لإسرائيل بل يعكس القيم الأخلاقية التي يجب أن تظل موجهة لأي عمل خيري.
إن تغطية الصحافة اليهودية لهذا الجدل لا تعكس فقط تباين وجهات النظر، بل تشكل مؤشرًا على تحولات محتملة في السياسات الخيرية والقيادات الفكرية للجاليات اليهودية الأمريكية، وهو ما قد ينعكس على استراتيجيات الجمعيات الكبرى في السنوات المقبلة، خاصة في أوقات النزاع والحروب الإقليمية.
تبرع الاتحاد اليهودي بنيويورك لغزة لا يقتصر على كونه مسألة خيرية، بل يشكل مؤشرًا على تحولات محتملة في الهوية اليهودية الأمريكية، ويعيد طرح التساؤل حول الأولويات الأخلاقية مقابل الوطنية. الخطوة كشفت صراعًا حادًا بين القيم الإنسانية العالمية والولاء التقليدي لإسرائيل، وهو صراع يبدو أنه سيستمر في التأثير على سياسات الجمعيات اليهودية في المستقبل.