تواجه إسرائيل اليوم تحديات أمنية وسياسية معقدة في قطاع غزة، تشبه إلى حد كبير التجربة التي مرت بها الولايات المتحدة في العراق بعد عام 2003، لكنها تحمل خصوصيات تجعل السيناريو مختلفاً بشكل ملحوظ، تجربة الغزو الأمريكي للعراق كانت درساً قاسياً في إدارة صراع مسلح في بيئة حضرية، حيث أدى حل الجيش العراقي وحزب البعث إلى فراغ أمني، سمح بظهور تمرد مسلح استغله تنظيم القاعدة وبعض الميليشيات المحلية لتعميق الفوضى، وهو ما شكل اختباراً عسيراً للقوات الأمريكية على مدى سنوات طويلة.
الدرس الإسرائيلي يكمن في محاولة التعامل مع حركة حماس في غزة، حيث تواجه تل أبيب تمرداً مسلحاً من منظمة محلية تمتلك قاعدة شعبية واسعة وقدرة على الحركة داخل المدينة المكتظة بالسكان، رغم التفوق العسكري الإسرائيلي في الطيران والمدفعية والقصف المكثف للبنية التحتية، فإن الكلفة الإنسانية الباهظة أصبحت سلاحاً دعائياً لحماس، ما يضع الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط دولي متزايد، ويجعل عملية فرض السيطرة الكاملة على القطاع معقدة ومكلفة.
واشنطن تايمز أشارت إلى أن أحد أبرز المخاطر هو غياب خطة واضحة لما بعد الحرب الانقسام داخل القيادة الإسرائيلية يضيف مزيداً من التعقيد، خاصة مع تحذيرات رئيس الأركان إيال زامير من تأثير احتلال غزة على استقرار الجيش ونجاح مفاوضات الرهائن.
من جهة أخرى، هناك تطورات دولية سريعة، مثل الدول الأوروبية والآسيوية الاعتراف بدولة فلسطين، وتعليق بعض صفقات التسليح، إلى جانب تزايد الانتقادات الإقليمية والدولية لممارسات إسرائيل في غزة.
إحدى الدروس المستفادة من العراق تكمن في الفصل بين المقاتلين المدنيين، وتجنب الإضرار بالسكان الأبرياء، لأن استمرار القصف العشوائي يؤدي إلى تعزيز موقف حماس إعلامياً ويزيد من معاناة المدنيين، وهو ما قد يولد ردود فعل قوية على المستوى الدولي.
استراتيجية تل أبيب تحتاج، وفق بعض الخبراء، إلى إعادة النظر في أسلوب التعامل مع حماس، من خلال فصل العناصر المسلحة عن المدنيين، وتوسيع التعاون مع دول الخليج، وإعطاء الفرصة للقيادات الفلسطينية المعتدلة للمساهمة في إعادة إعمار القطاع سياسياً واقتصادياً.
كما يشير الخبراء إلى أن إسرائيل تواجه وضعاً حضرياً مختلفاً عن العراق، فغزة منطقة مكتظة بالسكان، والبنية التحتية المدنية مترابطة، ما يزيد من صعوبة التفريق بين المقاتلين والمدنيين، ويجعل كل عملية عسكرية عرضة لانتقادات واسعة. هذا التعقيد يفرض على القيادة الإسرائيلية أن تعتمد حلولاً أكثر دقة وتخطيطاً، مع التركيز على تقليل الخسائر البشرية ومخاطر الانهيار الأمني والاجتماعي.
في الوقت ذاته، تستعد إسرائيل لعمليات واسعة تمتد لخمسة أشهر، بهدف السيطرة الكاملة على القطاع، ما يرفع سقف المخاطر ويزيد احتمالية تصاعد التوترات الإنسانية والسياسية هذا التوسع العسكري يتطلب استخدام معدات هندسية وكمية كبيرة من المتفجرات، مع توقع استمرار الدمار في المباني السكنية والخدمية، ما يضاعف الضغط على المنظمات الدولية والإغاثية.
وبالنظر إلى السياق الدولي، فإن استمرار الحرب دون خطة سياسية واضحة قد يؤدي إلى عزلة إسرائيل على الصعيد العالمي، ويقوض فرص السلام الإقليمي، خصوصاً مع تزايد المطالب الدولية لحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني. الخبراء يؤكدون أن تل أبيب بحاجة إلى استراتيجية جديدة تستند إلى دروس العراق: فصل المقاتلين عن المدنيين، تعزيز التعاون الدولي، وتمكين الفصائل المعتدلة لإدارة إعادة إعمار غزة وإعادة استقرارها.
تؤكد الأحداث النهائية أن الصراع في غزة ليس نسخة مطابقة لتجربة العراق، لكنه يحمل دروساً يمكن أن توظف لإعادة التفكير في كيفية إدارة العمليات العسكرية والسياسية، وتقليل الخسائر البشرية وتعزيز فرص السلام على المدى الطويل.