ليبيا تعيش حالة معقدة من التوترات السياسية والأمنية، مترابطة ارتباطًا وثيقًا بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تتصاعد مع مرور الوقت. الانقسام بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول القوانين الانتخابية يمثل أحد أهم عوامل الجمود السياسي الراهن الاختلافات حول الأسس الدستورية والقانونية تمنع التوافق على خارطة طريق واضحة نحو انتخابات شاملة، مما يعمّق شعور الأطراف بانعدام الثقة ويضعف فرص الوصول إلى حل سياسي مستدام ويؤدي هذا الجمود إلى ضعف أداء المؤسسات العامة ويحد من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية، ما يترك مساحة للانقسام بين المكونات السياسية المختلفة ويزيد احتمالية تصاعد النزاعات الداخلية.
على الصعيد الأمني، تعاني ليبيا من انتشار واسع للجماعات المسلحة وانعدام ترتيبات أمنية موحدة تغطي كامل الأراضي، ما يجعل المدنيين عرضة لانتهاكات متكررة تشمل الاعتقالات التعسفية والعنف المسلح. التشرذم الأمني يزيد من هشاشة خطوط الصراع، ويخلق بيئة يسهل فيها تجدد الاشتباكات بين مناطق مختلفة، خاصة في غرب وجنوب البلاد.
غياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية يضعف قدرة الدولة على تطبيق أي ترتيبات وقف إطلاق النار بشكل فعّال، ويحد من قدرتها على حماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية مثل النقل والطاقة والصحة.
الأزمة الاقتصادية تمثل بعدًا مركبًا آخر، إذ تواجه ليبيا اختلالات بين الفائض الاسمي في الميزانية المحلية والعجز الفعلي في النقد الأجنبي، ما يؤدي إلى اضطرابات في سعر الصرف ونقص في السيولة المتاحة للتعاملات اليومية. الفساد المستمر والاعتماد الكبير على عائدات النفط والتهريب يعقدان الاستقرار المالي ويضعفان قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية للسكان هذه الضغوط الاقتصادية تتفاقم مع استمرار القيود على الخدمات الأساسية وانتشار البطالة، ما يزيد من هشاشة المجتمع المدني ويؤثر سلبًا على جودة الحياة اليومية للمواطنين.
من الناحية الاجتماعية، تتأثر الفئات الأكثر ضعفًا مثل المهاجرين والنازحين داخليًا بشكل مباشر بهذه الهشاشة السياسية والاقتصادية، حيث تواجه هذه المجموعات قيودًا في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، بينما تتزايد الانتهاكات بحقهم. هذا الوضع يعكس غياب استراتيجية شاملة لحماية حقوق الإنسان وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل فعال.
نجاح أي مسار نحو الاستقرار الليبي يعتمد على إرادة سياسية محلية قوية لتوحيد المؤسسات وإقرار التشريعات الانتخابية، إلى جانب دعم دولي منسق يعزز قدرة الدولة على تجاوز الانقسام، ويدعم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، ويضمن حماية المدنيين وتحسين مستوى الخدمات الأساسية الاستمرار في الوضع الحالي دون معالجة هذه العوامل يزيد من احتمالية استمرار الأزمة وتعميق الفجوات بين مختلف المكونات الليبية، مما يهدد فرص تحقيق الاستقرار المستدام في البلاد.