كيف توظف إسرائيل ملف الرهائن لفرض شروطها؟

متابعات _ وكالة أنباء آسيا

2025.08.19 - 06:35
Facebook Share
طباعة

منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر الماضي، برز ملف الرهائن كأكثر الأوراق حساسية على طاولة المفاوضات حماس تستخدمه كوسيلة ضغط لتحقيق مكاسب إنسانية وسياسية، بينما توظفه إسرائيل في الاتجاه المعاكس، محاولة تحويله إلى مدخل لفرض شروطها العسكرية والأمنية على الميدان وعلى الوسطاء.

سقف المطالب الإسرائيلية:

نقلت هيئة البث العامة الإسرائيلية (راديو كان) عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله إن إسرائيل تطالب بالإفراج عن جميع الأسرى المحتجزين في غزة وأكدت أن الحكومة تشدد على ضرورة إطلاق سراح الخمسين الذين ما زالوا في قبضة حماس يأتي ذلك بينما تستمر المباحثات حول اتفاق هدنة يمتد ستين يوماً يشمل الإفراج عن نصف الأسرى الإسرائيليين داخل القطاع.

مسؤول إسرائيلي بارز شدد على أن موقف الحكومة ثابت، وأنها تتمسك بالمطالبة بإطلاق سراح جميع الرهائن في أي اتفاق مقبل. هذا الخطاب يكشف محاولة تل أبيب رفع سقف شروطها إلى الحد الأقصى، لتحويل الملف من مساحة تفاوض تدريجي إلى معركة إرادة يراد منها إظهار أن حماس عاجزة عن فرض إيقاعها.

حسابات نتنياهو الداخلية:

التمسك بإطلاق سراح الجميع دفعة واحدة لا ينفصل عن أزمات نتنياهو الداخلية فهو يواجه ضغوطاً متصاعدة من عائلات الرهائن التي تنظم تظاهرات شبه أسبوعية تطالبه بعقد صفقة عاجلة في المقابل، يهاجمه خصومه السياسيون باعتباره المسؤول عن فشل إدارة الحرب، وعن عجز الجيش في إيقاف إطلاق الصواريخ أو إعادة الأسرى حتى الآن.

رفع سقف المطالب يمنحه وقتاً إضافياً لمواجهة هذا الضغط الشعبي، فبدلاً من اتهامه بالتقصير، يحاول تصوير نفسه قائداً متمسكاً بـ"الحد الأقصى" من الحقوق، محولاً النقاش العام من "ضرورة إنقاذ الأسرى" إلى "ضرورة هزيمة حماس". بهذه الطريقة، يصبح الفشل في تحقيق صفقة أمراً مبرراً تحت عنوان "الصمود" وليس "العجز".

رسالة إلى الوسطاء الإقليميين:

الموقف الإسرائيلي لا يخاطب الداخل وحده، وإنما يشكل أيضاً رسالة مباشرة إلى الوسطاء المصريين والقطريين فإسرائيل تحاول أن تفرض معادلة واضحة: أي اتفاق لا يمر إلا عبر شروطها. كما تلوّح في الوقت نفسه بخيار "الحسم العسكري"، في محاولة لدفع الوسطاء إلى ممارسة ضغط إضافي على حماس للقبول بما تطرحه تل أبيب.

إسرائيل تدرك أن الوسطاء لا يستطيعون تجاهل ملف الرهائن، لأن استمراره بلا حل يعرقل أي جهود لوقف إطلاق النار.
لذلك، فإن التشدد الإسرائيلي يهدف إلى إعادة تعريف دور الوساطة، من رعاية صفقة متوازنة إلى مجرد قناة لإيصال مطالب الحكومة الإسرائيلية.

حسابات دولية متشابكة:

على المستوى الدولي، يظل موقف الولايات المتحدة عاملاً مؤثراً الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطاً متزايدة من الكونغرس والرأي العام لوقف الحرب، لكنها لا ترغب في الدخول في صدام مع إسرائيل قبل الانتخابات الرئاسية، هذا يمنح نتنياهو هامشاً أوسع للمناورة.
فتعليق ملف الرهائن لفترة أطول يساعده على مقايضة واشنطن بالدعم العسكري والسياسي مقابل الحفاظ على الأمل بصفقة مستقبلية.

إسرائيل تراهن على أن أي مبادرة دولية لن تتجاوز خطوطها الحمراء ما دام ملف الرهائن لم يغلق. بالتالي، يصبح الملف أداة لعرقلة أي قرار ملزم في مجلس الأمن، وأداة لابتزاز الحلفاء الغربيين الباحثين عن استقرار نسبي في المنطقة.

ورقة حماس المضادة:

في المقابل، حماس لا تبدو مستعدة للتخلي عن ورقتها الأهم، الحركة تعتبر أن الرهائن يمثلون الضمانة الوحيدة لوقف إطلاق النار ورفع الحصار وتبادل الأسرى الفلسطينيين.

لذلك، فإن أي محاولة إسرائيلية لفرض صفقة شاملة دون مقابل إنساني أو سياسي يواجه برفض مباشر.

من منظور حماس، المفاوضات الجزئية أكثر فاعلية، لأنها تتيح لها الاحتفاظ بجزء من الأوراق واستخدامها في الضغط لاحقاً. كما أن تقديم تنازل مجاني لإسرائيل سيظهرها أمام جمهورها كطرف ضعيف، وهو ما يتعارض مع الصورة التي تحرص على ترسيخها منذ بداية المواجهة.

بين التوظيف والواقع الميداني:

التشدد الإسرائيلي قد يبدو تكتيكاً ناجعاً في سياق السياسة الداخلية والخارجية، إلا أن الواقع الميداني يضع حدوداً واضحة.
استمرار الحرب بلا أفق قد يقوض أي فرصة لإعادة الرهائن أحياء، ويزيد من غضب العائلات التي لم تعد تثق بقدرة الحكومة على حمايتهم.

بالمقابل، استمرار حماس في الإمساك بالملف يضمن لها بقاءها طرفاً أساسياً في المعادلة، رغم محاولات تل أبيب تقليص حضورها.
وهو ما يجعل ملف الرهائن ليس مجرد قضية إنسانية، وإنما ساحة مفتوحة للصراع السياسي والعسكري والدبلوماسي، ولم يعد قضية ثانوية في الحرب على غزة، وإنما تحول إلى محور ترتكز عليه استراتيجيات الأطراف كافة، إسرائيل تستغله لفرض شروطها وشراء الوقت داخلياً وخارجياً، بينما ترى فيه حماس وسيلة للبقاء على طاولة التفاوض النتيجة أن أي تسوية مقبلة لن تكون ممكنة دون معادلة متوازنة، تسمح بإنهاء الأزمة مع الحفاظ على أوراق كل طرف. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7