قمة ألاسكا.. اختبار للتحالف أم تنازل لأجل السلام؟
متابعات _ وكالة أنباء آسيا
في ألاسكا، على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الروسية، يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في أول اجتماع مباشر بينهما منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022م.
القمة التي تأتي وسط حرب لم تخمد نيرانها، تحمل عنوانًا مبطنًا: "إمكانية تبادل الأراضي" كحل لإنهاء القتال.
لكن في كييف، تُقرأ هذه العبارة ككود سياسي يعني شيئًا آخر تمامًا: تثبيت السيطرة الروسية على ما تم احتلاله.
زيلينسكي يرفض "صفقة الأرض مقابل السلام":
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صرّح بوضوح أن بلاده سترفض أي مقترح روسي للتخلي عن إقليم دونباس مقابل وقف إطلاق النار، محذرًا من أن ذلك سيحول الإقليم إلى منصة لهجمات مستقبلية. وفي ظل استمرار الهجوم الروسي الصيفي وتقدم القوات قرب بلدة دوبروبيليا بمقدار عشرة كيلومترات في وقت قصير، بدا زيلينسكي أكثر حدة في لهجته، مؤكدًا أن "الأوكرانيين وحدهم يقررون بشأن أراضيهم".
عرض بوتين: انسحاب مقابل اعتراف:
صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلت عن بوتين، خلال لقائه المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، استعداده لقبول وقف كامل لإطلاق النار إذا انسحبت أوكرانيا من كامل إقليم دونيتسك.
هذه الخطوة، إذا تحققت، ستمنح موسكو السيطرة الكاملة على منطقة دونباس، التي تشكل محور الصراع منذ 2014.
وفق الخطة الروسية، المرحلة الأولى تتضمن الانسحاب الأوكراني وتجميد خطوط الجبهة، ثم التوقيع على خطة سلام نهائية بين بوتين وترامب، تُعرض لاحقًا على زيلينسكي. لكن الرئيس الأوكراني يصر على تحويل القمة إلى ثلاثية، رافضًا أي اتفاق يبرم من وراء ظهره.
"تبادل الأراضي" أم اعتراف بالأمر الواقع؟:
في تصريحات صحفية، المحلل السياسي محمود الأفندي يرى أن فكرة "تبادل الأراضي" هي في الواقع اعتراف بالأراضي التي ضمتها روسيا منذ 2022، موضحًا أن موسكو تطالب بانسحاب كييف من بقية الأراضي الأربعة المحتلة (دونيتسك، لوغانسك، زابوريجيا، وخيرسون)، مقابل انسحاب روسي محدود من مناطق في سومي وخاركيف.
الأفندي يعتبر أن هذه الصيغة ليست تبادلاً متكافئًا، بل "إقرار بالوضع الميداني الحالي"، حيث تسيطر روسيا على نحو 20% من دونباس و15% من خيرسون، بينما لا تسيطر أوكرانيا على أي أرض داخل روسيا.
الممر البري إلى القرم: أولوية روسية:
الباحث أولريش بونات من مؤسسة "Open Diplomacy" يفسر تمسك موسكو بدونباس ولوغانسك بأنهما يربطان برياً شبه جزيرة القرم بالأراضي الروسية. هذا الممر، الذي يزيل عزلة القرم، يعد مكسبًا استراتيجيًا لروسيا، خاصة وأن جسر كيرتش الذي يربطها بروسيا يتعرض باستمرار لهجمات أوكرانية.
مخاوف أوروبية من "صفقة ترامب–بوتين":
في العواصم الأوروبية، تُراقب القمة بحذر شديد. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن "الأوكرانيين وحدهم المخولون للتفاوض بشأن أراضيهم"، فيما دعا بيان مشترك لفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة والمفوضية الأوروبية إلى اعتماد "خط التماس الحالي" كنقطة انطلاق لأي مفاوضات، مع التشديد على أن وقف إطلاق النار يجب أن يسبق أي حوار سياسي.
لكن القلق الأوروبي لا يتعلق فقط بالأراضي، بل أيضًا بإمكانية أن يقبل ترامب بتنازلات كبيرة لبوتين مقابل إنهاء الحرب، ما قد يضعف وحدة الموقف الغربي.
سيناريوهات ما بعد القمة:
1. لا اتفاق: تخرج القمة ببيانات عامة دون تغيير على الأرض، ما يترك الوضع الميداني على حاله.
2. تبادل أراضٍ مشروط: اتفاق يكرس سيطرة روسيا على مناطق محتلة مقابل انسحاب محدود من أراضٍ أخرى، وهو السيناريو الذي تحذر منه كييف.
3. شرخ عبر الأطلسي: إذا انحاز ترامب لرؤية بوتين، فقد يؤدي ذلك إلى انقسام حاد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
4. انطلاقة لعملية سلام أوسع: احتمال ضعيف، لكنه ممكن إذا تمت دعوة أوكرانيا وأوروبا إلى جولات تفاوض لاحقة.
سلام "عادل" أم حادثة "كانوسا" جديدة؟
في أوكرانيا، يصف البعض فكرة الذهاب إلى قمة ألاسكا من دون مشاركة كييف بأنها أشبه بـ"حادثة كانوسا" الحديثة، حيث يُجبر طرف أضعف على القبول بشروط الطرف الأقوى.
وبالنسبة لزيلينسكي، فإن أي اتفاق لا يعيد الأراضي المحتلة بالكامل ليس سلامًا، بل "هدنة على حساب السيادة الوطنية".
اختبار للإرادات لا للنيات:
قمة ألاسكا لن تكون مجرد لقاء بين رئيسين، بل اختبار لمدى صلابة التحالف الغربي، وقياس لحدود التنازلات الممكنة بين قوتين عالميتين على حساب طرف ثالث.