في أجواء من السرية المفرطة، التقى القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق أوسطية والإفريقية مسعد بولس، في منتجع مطل على بحيرة زيورخ السويسرية، وفق ما نقلته مصادر خاصة لـRT، اللقاء الذي جرى الاثنين، جاء بطلب من واشنطن وبوساطة قطرية، في وقت أبدت فيه أطراف في حكومة الأمل ومصادر عسكرية سودانية دهشتها لعدم علمها المسبق به.
مصادر مختصة بتتبع حركة الطيران، من بينها الباحثان ريتش تيد وبودي بين، كشفت عن رحلة خاصة لطائرة قطرية من طراز Airbus ACJ-319 (رقم التسجيل A7-MHH) أقلعت من زيورخ إلى بورتسودان ثم عادت فوراً، وهي طائرة اعتاد البرهان استخدامها في تنقلاته.
الاجتماع، بحسب مصادر دبلوماسية في واشنطن وبورتسودان، تمحور حول جهود وقف الحرب السودانية، وحمل رسائل تعكس رغبة أمريكية في تعديل سياسات سابقة اتبعتها إدارة الرئيس جو بايدن عبر مساعدته السابقة للشؤون الأفريقية مولي فيي، التي كانت مواقفها محل انتقاد في الخرطوم.
البرهان شدد، خلال النقاش، على رفضه القاطع لبقاء قوات الدعم السريع، داعياً إلى تفكيكها ومحاكمة قادتها، ومتهماً الإمارات بتأجيج النزاع. وأكد أن أي تسوية لا بد أن تبدأ بوقف التدخلات الخارجية وإنهاء الاقتتال.
من جانبه، دعا بولس إلى حماية المدنيين وإتاحة ممرات آمنة، معتبراً أن الانتقال المدني الديمقراطي مطلب أساسي يجب أن تشارك فيه كل القوى غير المتورطة في جرائم حرب، ومشيراً إلى رغبة بلاده في استعادة التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، خصوصاً في منطقة البحر الأحمر.
هذا اللقاء هو الأعلى مستوى بين واشنطن والخرطوم منذ اندلاع القتال، ويأتي خارج مسارات التفاوض التقليدية مثل محادثات جدة والمنامة. في المقابل، تتحدث أوساط في الكونغرس عن تحرك متزايد لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية، ما قد يضع قادتها في مواجهة عزلة دولية خانقة إذا استمروا في حصار مدينة الفاشر والهجمات بجنوب كردفان.
تحليل المشهد يكشف أن واشنطن، رغم تراجع حضورها الميداني مقارنة بوساطات سابقة، تسعى الآن لتثبيت قنوات اتصال مباشرة مع البرهان، ربما استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب أو لمنع تمدد نفوذ قوى منافسة، وعلى رأسها روسيا والإمارات.
أما الخرطوم، فتبدو حريصة على استثمار هذا الاهتمام الأمريكي في كسب دعم سياسي يساند موقفها ضد الدعم السريع، مع إدراكها أن المواقف الغربية غالباً ما تتبدل وفق اعتبارات المصالح.
تداعيات ما بعد لقاء زيورخ تبقى مفتوحة: فإما أن يشكل بداية لمسار حقيقي نحو وقف إطلاق النار إذا تبعته خطوات ملموسة، أو يتحول إلى مجرد حلقة جديدة في سلسلة تحركات دبلوماسية لا تغير كثيراً من واقع الميدان.
في الحالتين، يبقى الرهان على قدرة الأطراف السودانية على صياغة حل وطني، بعيداً عن لعبة النفوذ الإقليمي والدولي التي حولت السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.