أعلن قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب، العقيد محمد عبد الغني، مساء الإثنين، تحمل جهازه المسؤولية الكاملة تجاه وفاة الشاب عبد الرحمن جعجول داخل نظارة مخفر شرطة الكلاسة، معلناً عن اتخاذ إجراءات فورية شملت توقيف الضابط المناوب ومسؤولي النظارة وإحالة القضية للتحقيق، بانتظار نتائج لجنة تحقيق مركزية للتحقق من ملابسات الحادثة.
خلال حضوره مجلس عزاء الفقيد، أكد عبد الغني حرص وزارة الداخلية على بناء دولة قانون تسودها العدالة، مضيفاً: «نقف أمام مسؤولياتنا، وما يقرره القضاء نحن ملتزمون به، وسنوقف أي شخص يثبت تورطه في هذه القضية ليُحال إلى القضاء». وشدد على أن التحقيق سيتناول كافة التفاصيل المتعلقة بالواقعة منذ بدايتها، معتبراً أن «دم أخينا غالٍ علينا، وحق الناس أن يعرفوا الحقيقة، ونحن مسؤولون أمام القضاء وأمام أهله».
تصريحات القائد تأتي وسط موجة واسعة من الجدل، حيث طالبت عائلة الفقيد وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بكشف الحقيقة ومحاسبة جميع المتورطين، في ظل اتهامات بتعرض جعجول لإساءات جسدية أثناء الاحتجاز. من جهتها، نفت مصادر أمنية تعرضه لأي تعذيب بعد انتهاء التحقيق الأولي، مؤكدة أنه كان موقوفاً على خلفية قضية جنائية ومحتجزاً في المخفر لفترة تزيد عن الأسبوع بدون إجراءات تحقيق إضافية.
وأشار العقيد عبد الغني إلى أن هذه الحادثة تسلط الضوء على واقع البنية التحتية الأمنية في المحافظة التي «أورثها النظام السابق»، مشدداً على الحاجة الماسة لإعادة تأهيل المخافر بشكل شامل، واصفاً إصلاح المؤسسات الأمنية وبنائها على أسس العدالة والقانون كهدف مشترك بين الدولة والمجتمع.
ويعتبر هذا التحمل الواضح للمسؤولية من قبل جهاز الأمن الداخلي خطوة غير مسبوقة في سوريا، حيث لم يكن من المعتاد في ظل النظام السابق أن تعترف السلطات الأمنية بخطأ أو تتحمل مسؤولياتها علناً. هذا التغيير يعكس توجهًا جديدًا في طريقة تعامل المؤسسات الأمنية مع قضايا الانتهاكات، ويُعتبر علامة إيجابية يمكن أن تسهم في بناء ثقة أكبر بين المواطنين والأجهزة الأمنية، وهو ما يحتاجه السوريون بشدة في ظل السنوات الطويلة من الانعدام شبه التام للمساءلة.
تأتي هذه الخطوات والإجراءات في إطار محاولات السلطات المحلية استعادة الثقة بين الأجهزة الأمنية والمواطنين، وسط مطالبات مستمرة بالشفافية والمساءلة تجاه أي انتهاكات تُرتكب بحق المحتجزين. وفي الوقت نفسه، تؤكد هذه الواقعة على الحاجة إلى تطوير النظام القضائي والأمني لضمان احترام حقوق الإنسان ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوزات.
في ظل استمرار التحقيق، ينتظر المجتمع الحلبّي والمهتمون حقوق الإنسان نتائج لجنة التحقيق المركزية، التي من المتوقع أن تحدد ملابسات وفاة جعجول وتحدد المسؤوليات بدقة، بما يضمن تقديم العدالة للفقيد وعائلته، ويرسل رسالة واضحة بعدم الإفلات من العقاب في مثل هذه القضايا.
هذه الحادثة تفتح ملفاً مهماً حول واقع أوضاع الحجز والاعتقال في محافظة حلب، وتؤكد ضرورة تطوير آليات الرقابة على المرافق الأمنية وتدريب العاملين فيها، لتعزيز حماية حقوق المحتجزين وضمان سلامتهم، وهو ما يشكل حجر الزاوية في بناء دولة القانون والمؤسسات.