في الذكرى الثمانين لإلقاء القنبلة الذرية على ناغازاكي، أصدرت المدينة اليابانية تحذيرًا غير مسبوق: "حرب نووية تلوح في الأفق".
هذا التحذير جاء على لسان عمدة المدينة، شيرو سوزوكي، خلال مراسم إحياء الذكرى، حيث أكد أن "الأزمة الوجودية للبشرية أصبحت وشيكة على كل واحد منا".
اجتمع الآلاف اليوم السبت 9 أغسطس 2025، في حديقة السلام بناغازاكي، بمشاركة ممثلين من 94 دولة، لإحياء الذكرى الثمانين للقصف النووي الأمريكي الذي دمر المدينة في عام 1945.
خلال المراسم، ألقى عمدة المدينة شيرو سوزوكي كلمة أكد فيها على ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة نحو نزع السلاح النووي. كما دعا إلى جعل ناغازاكي آخر مدينة تتعرض للهجوم النووي.
من جهة أخرى، أشار رئيس الوزراء الياباني، شغيرو إيشيبا، إلى التزام اليابان بمبادئ عدم امتلاك الأسلحة النووية، مؤكدًا على أهمية القيادة في مجال نزع السلاح. على الرغم من ذلك، لم توقع اليابان بعد على معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية، نظرًا لاعتمادها على "الغطاء النووي" الأمريكي.
تعود خلفية هذا التحذير إلى تزايد التوترات العالمية المتعلقة بالأسلحة النووية، فقد أظهرت استطلاعات رأي، مثل استطلاع YouGov، أن هناك تراجعًا في المحرمات الاجتماعية المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية.
على سبيل المثال، أظهرت دراسة أن أكثر من نصف المشاركين قد يوافقون على استخدام الأسلحة النووية في حالات معينة، مثل استهداف الإرهابيين في مناطق نائية. هذا التغير في الرأي العام يشير إلى خطر متزايد في إمكانية استخدام الأسلحة النووية في المستقبل.
على الصعيد الرسمي، أكدت اليابان مجددًا التزامها بمبادئ عدم امتلاك الأسلحة النووية، معربة عن رغبتها في قيادة جهود نزع السلاح النووي. ومع ذلك، تواجه اليابان تحديات في توقيع معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية بسبب اعتمادها على "الغطاء النووي" الأمريكي.
تحذير ناجازاكي في الذكرى الثمانين لضربها بالقنبلة الذرية لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الدولي الراهن، حيث تتقاطع أزمات جيوسياسية كبرى على خطوط تماس مشتعلة، من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. فالتوتر بين الصين وتايوان يضع المحيط الهادئ على حافة سباق تسلح جديد، في ظل تصاعد لغة التهديد بين واشنطن وبكين.
وفي المقابل، الحرب الأوكرانية الروسية تستعيد خطاب "الخيار النووي" في تصريحات موسكو بين الحين والآخر، ما يرفع منسوب القلق لدى العواصم الغربية.
أما في الشرق الأوسط، فإن انزلاق المواجهة الإسرائيلية في غزة إلى تبادل تهديدات إقليمية، بما فيها إشارات غير مباشرة إلى الردع النووي الإيراني المحتمل، يعيد فكرة السلاح النووي إلى واجهة النقاش الأمني.
هذا المشهد المضطرب يعيد الذاكرة إلى صيف 1945، حين ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية على هيروشيما في 6 أغسطس، ثم تبعتها ضربة ناغازاكي في 9 أغسطس، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 70 ألف إنسان خلال ثوانٍ، قبل أن يتضاعف العدد لاحقًا بفعل الإشعاع والأمراض المزمنة. كانت تلك الضربة، التي حملت اسم "فات مان"، إيذانًا بولادة عصر الردع النووي، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام سباق تسلح لم يهدأ حتى اليوم.
اليابان، التي صارت رمزًا عالميًا لضحايا السلاح النووي، تحاول استثمار ذكراها المأساوية لتحذير العالم من إعادة ارتكاب الكارثة، لكن المعضلة تكمن في أن البيئة الاستراتيجية الحالية أكثر تعقيدًا وخطورة مما كانت عليه قبل ثمانية عقود.
فعدد القوى النووية تضاعف، والاتفاقيات الدولية للحد من الانتشار تتعرض للتآكل، والرأي العام العالمي يظهر ميولًا متزايدة لتبرير الاستخدام العسكري لهذه الأسلحة في ظروف معينة، وفق استطلاعات حديثة.
من هنا، يصبح تحذير ناجازاكي رسالة مزدوجة: استحضارٌ لصدمة الماضي، وتنبيهٌ إلى أن مسار العالم اليوم قد يعيد التاريخ في نسخة أكثر تدميرًا، إذا لم تُتخذ خطوات جادة لوقف الانزلاق نحو مواجهة نووية.