اشتباكات نجران تفضح هشاشة الهدنة في ريف السويداء

السويداء- وكالة أنباء آسيا

2025.08.09 - 10:04
Facebook Share
طباعة

شهدت بلدة نجران شمال غربي محافظة السويداء، في حادثة جديدة تضاف إلى سجل التوترات المتصاعدة في المنطقة، اشتباكات مسلحة بين فصائل درزية محلية ومجموعة مسلحة مجهولة الهوية، أسفرت عن مقتل شخصين من الطرفين وحرق عدد من المنازل المدنية.

 

هذا التصعيد الدموي جاء في وقت تعيش فيه السويداء على وقع هدنة هشة أُعلنت منتصف يوليو الماضي، لكنها تتكرر فيها الخروقات التي تهدد استقرار الجنوب السوري برمته.

 


وفقًا لما أورد "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، فقد وقع الهجوم أمس الجمعة، حيث انطلقت المجموعة المسلحة من محور قراصة وطريق دويري الزراعي، مستخدمة أسلحة متوسطة، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة وحرق منازل مدنية قبل انسحابها من البلدة. وأسفر الاشتباك عن مقتل شخصين، أحدهما من الفصائل المحلية والآخر من المهاجمين، في تطور خطير يشير إلى تجدد العنف المتكرر في مناطق ريف السويداء.

 

يعتبر هذا الهجوم خرقًا صريحًا للهدنة التي أُعلنت في 19 يوليو 2025، عقب أسبوع من المعارك العنيفة بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو، وتدل الأحداث على أن هذه الاتفاقات تبقى غير قابلة للتطبيق الكامل، مما يعكس هشاشة التفاهمات الأمنية في المنطقة.

 

 

أزمة إنسانية ونزوح واسع النطاق

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في تقريره الصادر عن الفترة بين 1 و5 أغسطس 2025، استمرار الأعمال العدائية في مناطق متعددة بمحافظة السويداء وريفها الغربي، مثل خرسا، عرى، وتل حديد–الثعلة، مع تصعيد في القصف المدفعي والنشاط الجوي الإسرائيلي. وأكد التقرير نزوحًا داخليًا كبيرًا تخطى 191 ألف نازح، معظمهم إلى محافظات مجاورة، مما يزيد من الأعباء الإنسانية ويشكل تحديات كبيرة للمنظمات الإغاثية.

 

 

بحسب المرصد السوري، ارتفعت حصيلة القتلى منذ 13 يوليو الجاري إلى 1622 شخصًا، نتيجة الاشتباكات المستمرة بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو، بالإضافة إلى عمليات الإعدام الميداني والقصف الإسرائيلي. وتعكس هذه الأرقام حجم العنف الدموي المستمر، والتهديد المستمر لاستقرار المنطقة.

 

حتى اليوم، لم يصدر عن الحكومة السورية أي بيان رسمي يعلق على الهجوم الأخير في نجران أو يحدد خطوات جادة لحماية الهدنة وحفظ الأمن. في المقابل، عبّرت الفصائل الدرزية المحلية عن رفضها لاستمرار الاعتداءات على مناطقها، مؤكدة التزامها بالدفاع عن سكان السويداء، مع الدعوة إلى تعزيز الحوار ووقف دائم لإطلاق النار.

 

من جانبها، طالبت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي جميع الأطراف باحترام الهدنة والعودة إلى طاولة الحوار السياسي لمعالجة جذور النزاع، وحماية المدنيين، وفتح ممرات إنسانية لتخفيف معاناة النازحين.



جذور النزاع وتداعياته

تقف محافظة السويداء اليوم على مفترق طرق حرج، حيث تتشابك عدة عوامل داخلية وخارجية جعلت من المنطقة بؤرة نزاع متجدد رغم محاولات وقف إطلاق النار. النزاعات القبلية والطائفية القديمة التي تصاعدت في أعقاب الحرب السورية تتداخل مع التدخلات الإقليمية والضربات الجوية الإسرائيلية، ما يكرس حالة من انعدام الاستقرار العميق.

. جذور النزاع القبلي والطائفي

 

النزاع بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو في السويداء ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم تاريخي لعقود من التوترات على الموارد والسيطرة على الأراضي والمناطق الاستراتيجية. الحرب السورية عمقت هذه الانقسامات بفعل الفراغ الأمني الذي استغله مختلف الفاعلين لتعزيز نفوذهم، خاصة مع غياب دولة مركزية قوية تفرض القانون.

 

الاختلافات الطائفية، إلى جانب المنافسات القبلية، خلقت بيئة متوترة باتت تنفجر بين الفينة والأخرى على شكل اشتباكات عنيفة، يضاف إليها فشل محاولات الوساطة المحلية والدولية في بناء حلول مستدامة.

 

. التدخلات الخارجية

تدخلات إقليمية متعددة من خلال دعم فصائل مسلحة أو ضربات جوية إسرائيلية تستهدف مواقع في السويداء تزيد من تعقيد الأزمة. القصف الإسرائيلي المتكرر، الذي تستهدف به مواقع تدعمها إيران أو حزب الله، يوسع دائرة التوتر ويعرض المدنيين للخطر، كما يزيد من مخاوف اندلاع مواجهة أوسع.

 

. هشاشة الهدنة وغياب الرقابة الفعالة

الاتفاقات المتكررة على وقف إطلاق النار في السويداء تبقى غير قابلة للتطبيق الكامل بسبب غياب آليات رقابة فعالة، وعدم التزام بعض الأطراف بها. هذا الأمر يعكس غياب سلطة مركزية قادرة على ضبط الأمن وفرض القانون، ويجعل من الهدن مجرد فترات تهدئة مؤقتة قبل تجدد الاشتباكات.

 


سيناريوهات محتملة لمسار الأحداث في السويداء

السيناريو الأول: تصاعد التصعيد وفقدان السيطرة

في حال استمر تكرار الخروقات وعدم التوصل إلى حلول سياسية، قد تشهد السويداء تصعيدًا عسكريًا شاملًا يشمل توسع الاشتباكات بين الفصائل الدرزية وعشائر البدو، إلى جانب تدخلات خارجية أوسع، مما قد يؤدي إلى مزيد من سقوط الضحايا ونزوح جماعي أكبر، مع تهديد مباشر لاستقرار الجنوب السوري بالكامل.

 

السيناريو الثاني: هدنة ميدانية هشة مع استمرار الاحتكاكات

قد تستمر الهدنة المعلنة بهشاشتها، حيث تتكرر خروقات متفرقة على شكل اشتباكات محدودة وهجمات متبادلة، مع بقاء النزاع على مستوى منخفض نسبيًا. في هذا السيناريو، تبقى السويداء في حالة توتر مستمر، مع معاناة إنسانية مستمرة دون تحقيق استقرار فعلي.

 

السيناريو الثالث: حوار وطني ودعم دولي فعّال

السيناريو الأكثر تفاؤلاً يرتكز على إطلاق حوار وطني شامل بين الأطراف المحلية بدعم دولي وإقليمي فاعل، يهدف إلى معالجة جذور النزاع القبلية والطائفية، وإيجاد ترتيبات أمنية تضمن وقف إطلاق النار الدائم. يتطلب هذا المسار إرادة سياسية من دمشق، ودعمًا دوليًا لضمان تنفيذ الاتفاقات، مع توفير مساعدات إنسانية وتخفيف معاناة النازحين.


وأخيراً من الضروري أن تعمل الحكومة السورية على استعادة سيطرتها الكاملة في السويداء عبر نشر قوات الأمن وتفعيل المؤسسات المحلية.

آليات مراقبة الهدنة: يجب إنشاء آليات دولية ومحلية لمراقبة وقف إطلاق النار وضمان احترامه، مما يقلل فرص الخروقات ويعزز الثقة بين الأطراف.

دعم إنساني عاجل: مع تزايد أعداد النازحين، يجب تنسيق جهود الإغاثة لتقديم الدعم الطبي والغذائي وتأمين مساكن بديلة.

 

حوار مجتمعي: دعم مبادرات الحوار بين الفصائل والعشائر لحل الخلافات بعيدًا عن العنف، وتفعيل دور وجهاء المجتمع المدني.

تجنب التصعيد الإقليمي: ضرورة تجنب أي ضربات جوية أو تدخلات تزيد من تعقيد الأزمة، وتشجيع الحلول السياسية على المستويين المحلي والإقليمي.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9