أعلنت السلطات السودانية اليوم تعليق الرحلات الجوية المباشرة بين الخرطوم وأبوظبي، في خطوة وصفت بأنها تعكس تصاعد التوتر غير المسبوق بين البلدين، بعد شهور من الاتهامات المتبادلة بشأن الدور الإماراتي في الحرب السودانية.
وزارة الخارجية السودانية أصدرت بيانًا اتهمت فيه أبوظبي برعاية وتمويل مرتزقة من كولومبيا ودول أفريقية مجاورة للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع ضد الجيش السوداني. وجاء في البيان أن "الحكومة السودانية تملك أدلة دامغة تثبت رعاية السلطات الإماراتية لهذه المجموعات"، لكنه لم يتطرق لتفاصيل هذه الأدلة أو أسماء الدول المتورطة.
من هم المرتزقة الكولومبيون؟
ورغم غياب تفاصيل رسمية من الطرفين، فقد أشارت تقارير غربية في وقت سابق إلى استقطاب شركات أمنية خاصة، تعمل في الخليج وأفريقيا، لجنود سابقين من أميركا اللاتينية – وخاصة كولومبيا – للقتال في نزاعات متعددة. يُعرف عن هؤلاء المرتزقة امتلاكهم خبرات عسكرية نتيجة خدمتهم الطويلة في الجيش الكولومبي أو القوات الخاصة، ما يجعلهم هدفًا جذّابًا للشركات الأمنية الخاصة العاملة في بؤر النزاع.
ويرجّح محللون أن شركات وسيطة قد تكون لعبت دورًا في تجنيد هؤلاء المقاتلين، خاصة في ظل غياب رقابة دولية واضحة على سوق المرتزقة في أفريقيا، مع وجود سوابق مشابهة في اليمن وليبيا.
اتهامات بالتمويل والتجنيد:
وفقًا للبيان السوداني، فإن عشرات الآلاف من المرتزقة جرى استقدامهم من مختلف أنحاء أفريقيا بدعم لوجستي ومالي إماراتي.
وأكدت الخارجية أن "هذه الظاهرة غير المسبوقة تشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن في المنطقة وفي عموم القارة"، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم من ما وصفته بـ"الانخراط الإماراتي في الصراع".
وكانت الحكومة السودانية قد صعّدت لهجتها في الأسابيع الماضية تجاه أبوظبي، متهمةً إياها بدعم صريح لقوات الدعم السريع، التي تخوض منذ أبريل 2023 صراعًا داميًا مع القوات المسلحة السودانية، وتسيطر على أجزاء واسعة من دارفور وبعض أحياء العاصمة الخرطوم.
الرد الإماراتي: نفي وتشكيك
في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بيانًا شديد اللهجة، أكدت فيه أن أبوظبي "ترفض بشكل قاطع" هذه الاتهامات، وتعتبرها محاولات لتشويه دورها الإنساني وعرقلة جهود التسوية. وأضاف البيان: "الإمارات تؤكد أن هذه الادعاءات ما هي إلا محاولات لعرقلة عملية السلام والتهرب من الالتزامات الأخلاقية والقانونية والإنسانية بإنهاء الصراع".
الإمارات التي كانت تستضيف محادثات سلام غير مباشرة بين الطرفين في مايو الماضي، انسحبت بهدوء من ملف الوساطة، في ظل تصاعد الضغوط الدولية وانتقادات تقارير أممية بشأن دورها المزعوم في تأجيج النزاع السوداني.
تعليق الطيران: مؤشر جديد؟
قرار السلطات السودانية بتعليق الرحلات الجوية المباشرة مع الإمارات، والذي دخل حيز التنفيذ مطلع هذا الأسبوع، فُهم على نطاق واسع بأنه رسالة سياسية تتجاوز البعد الأمني أو التقني.
رغم أن الخطوة لم تُعلن مسبقًا من هيئة الطيران المدني أو عبر القنوات الرسمية للطيران، إلا أن مصادر حكومية سودانية أكدت لعدد من الوكالات أن القرار جاء بتوجيه سياسي مباشر، وأن السلطات "تدرس خطوات إضافية تتعلق بالعلاقات الدبلوماسية"، دون أن تقدم تفاصيل.
العلاقات أمام مفترق طرق:
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تتخذ الحكومة السودانية المعترف بها دوليًا أي إجراء علني مباشر تجاه الإمارات، رغم تصاعد اتهامات مسؤولين كبار من بينها نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار ووزير الخارجية علي الصادق، حول "الدور السلبي لأبوظبي في النزاع".
لكن قرار تعليق الطيران وبيان الاتهامات الرسمي يشيران إلى انتقال السودان من سياسة الإشارات إلى مرحلة المواجهة الدبلوماسية المباشرة، ما يثير التساؤلات حول مستقبل العلاقات الثنائية، واحتمال سحب السفير أو تقليص التمثيل الدبلوماسي.
بداية قطيعة:
بينما تُعد القطيعة الدبلوماسية خطوة نادرة في علاقات السودان الخارجية، خصوصًا مع دولة كانت لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا في مرحلة ما بعد سقوط نظام البشير، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى إمكانية حدوث تحوّل كبير في التموضع السوداني إقليميًا.
مصادر سياسية مطلعة في الخرطوم تحدثت عن ضغوط داخلية على القيادة السودانية لاتخاذ خطوات أكثر حزمًا تجاه أبوظبي، في ظل تزايد الأدلة على تورط أطراف خارجية في تغذية الصراع.
وترى هذه المصادر أن تعليق الطيران قد يكون تمهيدًا لإجراءات أكثر شدة.
في المقابل، يحذر مراقبون من أن الانفصال الدبلوماسي الكامل عن الإمارات قد يحمل تكاليف اقتصادية وإنسانية باهظة، في ظل الأزمة المالية الطاحنة التي تعانيها الخرطوم، وانخفاض حجم الدعم الخارجي.
تصاعد الأزمة وانعكاساتها الإقليمية:
في ظل التطورات الأخيرة، يبدو أن العلاقات بين السودان والإمارات دخلت مرحلة توتر حاد غير مسبوق، مع تبادل الاتهامات العلنية، ووقف الرحلات الجوية بين البلدين. هذه المؤشرات تضع العلاقات الثنائية أمام اختبار حقيقي، خاصة في ظل استمرار الحرب الأهلية في السودان، وتصاعد الدور الخارجي في الصراع.
وتعكس الاتهامات السودانية الموجهة لأبوظبي، خاصة المتعلقة بدعم مرتزقة في مسرح العمليات، تحوّلًا في لهجة الخرطوم تجاه ما كانت تصفه سابقًا بـ"الدعم الإنساني". أما نفي الإمارات المتكرر للتورط في الحرب، فليس كافيًا، وفق مراقبين، لتهدئة القلق الإقليمي والدولي من تعقيد الصراع.
التحركات الدبلوماسية المقبلة، إما أن تسهم في تهدئة التوتر عبر قنوات الوساطة، أو تدفع بالأزمة إلى مزيد من التصعيد، خاصة في ظل تغيّر موازين القوى داخل السودان، وتضاؤل فرص التسوية السياسية. وفي الحالتين، فإن الأزمة الحالية بين الخرطوم وأبوظبي ستبقى عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل العلاقات بين الخليج والقرن الأفريقي في المدى القريب.