في السادس من فبراير/شباط 2022، استلمت محكمة استئناف القاهرة ملف القضية التي تقرَّر استنادا إليها إحالة رجل الأعمال "محمد الأمين" إلى محكمة الجنايات بتُهمة الاتجار بالبشر، وقد أُرفِق بالملف أمر الإحالة وأدلة الثبوت من أقوال الشهود والمجني عليهن وأقوال المتهم وكل التقارير الفنية المؤيدة لأمر الإحالة. وكانت النيابة العامة قد تلقَّت قبل ذلك بشهرين بلاغا ألقت القبض على إثره على الأمين، ووجَّهت له تُهَم الاتجار بالبشر وهتك عرض 7 فتيات بشهادة 13 شاهدا، مع إقرارات من الفتيات المجني عليهن ودلائل من هاتف الأمين وقرائن من تقارير مصلحة الطب الشرعي. وقد انتهت التحقيقات إلى أن المتهم آوى الفتيات المجني عليهن بدار أنشأها للأيتام، واستغل حاجتهن وسلطته عليهن من أجل استغلالهن جنسيّا، ثم هتك عرضهن بالقوة قبل أن يهدّدهن بالضرب والطرد من الدار(1).
محمد الأمين هو أحد أشهر رجال الأعمال في مصر اليوم، ومؤسس مجموعة قنوات "سي بي سي (CBC)" ومجموعة قنوات "مودرن" وقنوات "النهار"، بجانب كونه شريكا في 3 صحف مصرية هي "الوطن" و"اليوم السابع" و"الفجر"، علاوة على نصيبه في شركة "عامر جروب" للمقاولات. وقد فتحت هذه القضية باب الحديث حول قضايا الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي في مصر، وتحوُّل "البغاء" إلى ظاهرة في طبقات عديدة من المجتمع المصري.
في هذا التقرير، وبناء على دراسة ميدانية أجراها المركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية على شريحة من المحكوم عليهم قضائيا في قضايا "جنسية"، وبناء على خلاصات لدراسات ميدانية سابقة عن العاملين في "الجنس" أو المعتادين على ممارسة البغاء في مصر والوطن العربي؛ نحاول استكشاف هذه الفئة، والإجابة عن عدة أسئلة حول سماتهم وأوضاعهم الاجتماعية والأسرية، وأسباب رزوحهم تحت وطأة الاستغلال الجنسي. هذا، وترسم الإجابات المبنية على البيانات صورة مهمة لهذه الشريحة، ليس بوصفهم مجرمين أو ضحايا بالكامل، بل بوصفهم بشرا لديهم رغبات ومخاوف مثلهم مثل كثيرين غيرهم، كما أن تحليل البيانات يوضِّح لنا كيف ولماذا تنتشر ثقافة البغاء والاستغلال الجنسي والإغراء في المجتمع، ومن يدعم هذه الثقافة حتى صارت لها شبكة علاقات اجتماعية متمايزة ومستقرة، يمتزج فيها الخوف والجشع مع الشعور الشديد بالهوان.
اتجهت مصر منذ أكثر من 10 سنوات نحو تبنِّي قانون يجرِّم "الاتجار بالبشر"، فأصدرت القانون رقم 64 لسنة 2010 لمكافحة الاتجار بالبشر، إذ تنص المادة الخامسة من القانون على أن "يُعاقَب كل من ارتكب جريمة الاتجار بالبشر بالسجن المُشدَّد، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تتجاوز 200 ألف جنيه، أو بغرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع أيهما أكبر".
حدَّد القانون 7 أشكال للاتجار بالبشر، أولها إذا كان الجاني قد أسَّس أو نظّم أو أدار جماعة إجرامية منظمة لأغراض الاتجار بالبشر، أو تولى قيادة فيها أو كان أحد أعضائها، وثانيها إذا ارتكب الفعل بطريق التهديد بالقتل أو بالأذى الجسيم أو التعذيب البدني أو النفسي أو تحت تهديد السلاح، أما الصورة الثالثة فهي كون الجاني زوجا للمجني عليه أو أحد أقاربه أو ممن له الولاية أو الوصاية عليه أو كان مسؤولا عن ملاحظته أو تربيته.
ووصف القانون الصورة الرابعة للاتجار بالبشر في كون الجاني موظفا عاما أو مُكلَّفا بخدمة عامة وارتكب جريمته باستغلال صفته تلك، أما الصورة الخامسة فتنطبق حال نتج عن الجريمة وفاة المجني عليه أو إصابته بعاهة مستديمة أو بمرض لا يرجى الشفاء منه، والسادسة إذا كان المجني عليه طفلا أو من عديمي الأهلية أو من ذوي الإعاقة، أما الصورة الأخيرة فتنطبق حال ارتُكبت الجريمة بواسطة جماعة إجرامية منظمة.
يحدث الاتجار بالبشر عبر المتاجرة بالرجال وتصديرهم لبعض الدول بوصفهم عمالة رخيصة لأداء الأعمال الشاقة، كما يتم المتاجرة بالأطفال بوصفهم عمالة في صناعات الغزل والنسيج والأعمال المنزلية أو الاستغلال الجنسي أو نقل الأعضاء، أما المرأة فيتاجَر بها لأغراض الجنس التجاري أو الدعارة أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي. هذا وجدير بالذكر أن جريمة الاتجار بالبشر ظاهرة تجتاح العالم، حتى إن عدد ضحاياها سنويا وصل إلى 800 ألف امرأة حول العالم (2).
أما في مصر فيأخذ الاتجار بالبشر أشكالا مختلفة ومسميات عدة، مثل "الزيجات الموسمية" أو "الزواج السياحي"، ويعني تزويج فتيات دون السن القانوني لرجال غير مصريين، وغالبا من الأثرياء العرب. بالإضافة إلى ذلك، هناك ظاهرة أطفال الشوارع التي تؤدي إلى استغلال آلاف الأطفال في "الدعارة" والخدمات الجنسية والعمالة القسرية في المنازل والتنظيمات الإجرامية الخاصة بتجارة الأعضاء، وقد ضبطت مباحث القاهرة عام 2016 فقط نحو 12 قضية تجارة أعضاء بشرية في العاصمة وحدها(3).
غير أن الظاهرة الأكثر تزايدا في مصر مؤخرا هي ظاهرة عرض الجسد ونشر مقاطع الفيديو التي تعرض فتيات يرقصن أو يكشفن أجسادهن بنوع من الإغراء على شبكة الإنترنت، وهي القضية التي اشتهرت إعلاميا بقضية "فتيات التيك توك"، واتُّهمت فيها بعض الفتيات بـ"الاتجار بالبشر" وتسهيل البغاء أو معاونة فتيات على ممارسة الفاحشة. ومرة أخرى، بغض النظر عن الحيثيات السياسية لتلك القضايا، نرى أن نركز هنا على سؤال: كيف تقع تلك الفتيات ضحايا للاستغلال الجنسي أو عاملات الجنس؟ وما أهم سمات الضحايا؟ ولماذا تنتشر هذه الظاهرة في مصر؟ للإجابة عن هذه الأسئلة سنعتمد على دراسة المركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية، التي تتكوَّن من بيانات 294 من المحكوم عليهم في قضايا جنسية من الرجال والنساء في سجن القناطر الخيرية وسجون دمنهور وأسيوط وبرج العرب وبورسعيد(4).
توضح البيانات أن جرائم الاعتياد على ممارسة البغاء تتصدر الجرائم الجنسية، حيث تمثل حوالي 42% من جرائم المحكوم عليهم، الأمر الذي يرشح كونهم ضحايا للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي عبر قوادين أو راغبين أو مستغلين، ويعني ذلك أنه في تلك القضايا غالبا ما يختلط الجناة بالضحايا، وحتى الجناة الواضحون الذين تقترب نسبتهم من 37% والذين تتراوح تهمهم بين إدارة محل للبغاء أو تسهيل البغاء أو التحريض عليه أو معاونة أنثى على ذلك قد يكونون أنفسهم ضحايا لمستغلين أكبر.
كذلك توضح البيانات أن جرائم البغاء ترتكز إلى المدن، وأن غالب المحكوم عليهم في قضايا الاعتياد على ممارسة البغاء عمرهم أقل من 25 سنة، وأن غالب المحكوم عليهم من شريحة الدراسة يقل عمرهم عن 30 سنة، كما أن ثلثي الشريحة كانوا من النساء، خاصة المطلقات والأرامل والمتزوجات. أما بالنسبة إلى المستوى التعليمي، فتوضح البيانات أن حوالي ثلث الشريحة من الأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، وأن ما يزيد عن نصف الشريحة تعليمهم متوسط أو أقل من المتوسط، ما يعطي مؤشرا قويا إلى احتمال كون غياب التعليم والثقافة والوعي سببا لانخراط كثير من الشباب في ممارسات البغاء والاتجار بالبشر أو وقوعهم ضحايا للاستغلال الجنسي.
بالنسبة إلى الجانب الاقتصادي، توضح البيانات ارتفاع نسبة المحكوم عليهم ممن يعملون عمالا وصولا إلى 47%، وربات بيوت 27%، ومن يشتغلون بوظائف متوسطة 10%، وأخيرا الطلاب 8%. كما توضح بيانات الدخل الشهري سعي هذه الفئة ورغبتها الجامحة في زيادة دخلها الشهري وتحقيق نوع من الصعود الاجتماعي، وأن الدخل الشهري لحوالي 40% منهم أقل من 1000 جنيه مصري، وأن حوالي 96% منهم يقل دخله الشهري عن 2000 جنيه مصري. إذن، المتورطون في الاتجار بالبشر وممارسة "البغاء" تغلب عليهم سمات الأمية وغياب التعليم والفقر، وأغلبهم شباب، والغريب أن حوالي ثلثهم من ربات البيوت. أيُّ بيوت إذن خرج منها هؤلاء؟
المصدر: الجزيرة