على عكس قرارات دونالد ترامب القاسية تجاه فلسطين تحت ضغط من اللوبي الصهيوني، يبدو أن جواً متفائلاً نسبياً تجاه فلسطين يسود في ولاية جو بايدن حتى الآن، ومع ذلك، لا ينبغي أن تضللنا البيئة المتفائلة ولا يمكن أن نتنبأ بأن علاقات الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية ستتغير بشكل كبير.
لا شك أن إدارة ترامب اتبعت استراتيجية صعّدت التوترات في القضية الفلسطينية، خصوصاً القرارات الثلاث التي اتخذتها، أولها قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها في "إسرائيل" من تل أبيب إلى القدس في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017 بعد قرارها الاعتراف بإعلان إسرائيل عن القدس "عاصمتها الأبدية".
هذا التصرف المشين، الذي لا يمكن تصحيحه حتى على المدى الطويل، لم يتجاهل حساسية الشعب الفلسطيني المضطهد فحسب، بل تجاهل أيضاً حساسية جميع المسلمين، وبهذا القرار فقدت الإدارة الأمريكية ما يسمى موقف "الوسيط" بين فلسطين والصهاينة، وكذلك علاقاتها مع فلسطين، حيث قررت الإدارة الفلسطينية قطع جميع الروابط مع الولايات المتحدة رداً على القرار.
والثاني هو قرار إدارة ترامب في آب/أغسطس 2018 بوقف جميع المساعدات لوكالة الأمم المتحدة (UN) التي تم تشكيلها لمساعدة الفلسطينيين (الأونروا)، بما ظهر أنه مجرد مرحلة جديدة في دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.
أما المشروع الثالث فهو "صفقة القرن"، والتي ادعى ترامل أنها ستنهي الصراع الفلسطيني الصهيوني إلى الأبد، لكنه في الحقيقة يتضمن بنوداً غير عقلانية مثل "السيطرة الإدارية على القدس ستُترك لإسرائيل"، و"يُمنح الفلسطينيون قطعة أرض فقط إلى شرق القدس"، ولن يكون لديهم جيش، ما كشف عن أن هذه الصفقة لخدمة الصهاينة فقط.
في حين تبدو الصورة التي رسمتها إدارة بايدن حتى الآن فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أكثر تفاؤلاً نسبيًا بعد إعلان بايدن أنه سيبذل جهداً لحل الدولتين بين فلسطين و"إسرائيل"، وأنه سيتم إعادة المساعدات التي قُطعت في عهد ترامب، ويمكن رؤية قرار إدارة بايدن بتقديم 15 مليون دولار لفلسطين الشهر الماضي لمكافحة جائحة COVID-19، بالإضافة إلى 75 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية والتنموية للضفة الغربية وقطاع غزة، و 150 مليون دولار للأونروا هذا الشهر خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين، كذلك فإن البيان الوارد في تقرير حقوق الإنسان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية للعام 2020 "إنها حقيقة تاريخية أن إسرائيل احتلت الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان" يمكن أيضاً اعتباره جزءاً من مرحلة التطبيع.
لكن في بيان حول القضية الفلسطينية بعد وقت قصير من توليه منصبه، قال وزير الخارجية الأمريكية أنطوني بلينكين إن الإدارة الأمريكية ستستمر في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وجادل أيضاً ضد قرار المحكمة الجنائية الدولية (في 5 شباط/فبراير 2021) بأن لها ولاية قضائية على الجرائم المرتكبة في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والأراضي الفلسطينية الأخرى، وكلا البيانين يشيران إلى أن إدارة بايدن لا تريد تعريض علاقاتها مع الصهاينة للخطر ولن تتحمل مسؤولياتها بالكامل في القضية الفلسطينية، دون أن ننسى بيان بايدن عام 2013 عندما كان حينها نائباً للرئيس باراك أوباما "إذا لم تكن هناك إسرائيل، فسيتعين علينا اختراع واحدة للتأكد من الحفاظ على مصالحنا".
في المحصلة، بما أن العلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني وموقفها من القضية الفلسطينية هي سياسات دولة تتجاوز الحكومات الحاكمة، لا ينبغي أن نتوقع تحولاً جذرياً في عهد بايدن، لكن من المتوقع أن يلين الموقف المتشدد الذي كان خلال رئاسة ترامب ضد فلسطين، وأن تعود العلاقات الأمريكية الفلسطينية، جزئيًا على الأقل، إلى مستويات ما قبل ترامب.