عام على هدنة غزة.. لماذا لا يزال الاتفاق متعثراً؟

2026.10.10 - 11:25
Facebook Share
طباعة

بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا تزال الوعود بإنهاء الحرب والانتقال إلى إعادة الإعمار بعيدة عن التحقق.


فعلى الرغم من توقف القصف واسع النطاق الذي استمر عامين، لم ينجح الاتفاق في إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية أو وضع حد للخروقات والقيود المفروضة على دخول المساعدات، فيما بقيت الملفات الرئيسية، من الانسحاب الإسرائيلي إلى مستقبل السلاح وإدارة القطاع، من دون تسوية نهائية.


أقرا أيضاً:فضيحة أمنية إسرائيلية.. نتنياهو ناقش سيناريو 7 أكتوبر قبل سنوات

 


تحولت الهدنة، التي جاءت برعاية مصرية وقطرية وتركية وضمانات أميركية، إلى مرحلة من الجمود السياسي والميداني. فلم تنتقل غزة إلى واقع ما بعد الحرب، ولم تتبلور ترتيبات واضحة تضمن التعافي وإعادة بناء ما دمرته العمليات العسكرية. وبين استمرار الاعتداءات وتراجع الإمدادات وتعثر المفاوضات، يواجه السكان ظروفاً إنسانية قاسية، مع اقتراب الشتاء وتزايد المخاطر التي تهدد النازحين والمباني المتضررة.

 


خروقات مستمرة وحصيلة إنسانية متفاقمة


بحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتكبت إسرائيل أكثر من 5300 خرق عسكري وأمني لاتفاق وقف إطلاق النار خلال عام، أسفرت عن استشهاد أكثر من 1460 فلسطينياً وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال 202 شخص.

وتشير هذه الأرقام إلى أن وقف إطلاق النار لم ينهِ الخطر الذي يواجه الفلسطينيين، رغم تراجع نطاق القصف مقارنة بمرحلة الحرب المفتوحة. كما أن استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة والإمدادات أبقى الحياة اليومية تحت تهديد متواصل.

ولا تقتصر تداعيات الاتفاق المتعثر على الخسائر البشرية، بل تمتد إلى تعطل الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الاحتياجات الضرورية، في ظل دمار واسع طال المساكن والبنية التحتية والمرافق الحيوية.

أقرا أيضاً:مئات المتظاهرين في نيويورك يطالبون بحل وكالة الهجرة

 


المساعدات وعودة النازحين في دائرة التعطيل

 


تمثل القيود على إدخال المساعدات أحد أبرز العوائق أمام تحسين الأوضاع الإنسانية في القطاع. ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي، دخلت نحو 74 ألف شاحنة إلى غزة خلال العام، من أصل أكثر من 214 ألف شاحنة كان مقرراً إدخالها، بنسبة تنفيذ تقل عن 35%.

أما حركة السفر، فقد غادر القطاع قرابة 14 ألف مسافر، مقابل 36 ألفاً كان مقرراً سفرهم، بنسبة تنفيذ بلغت نحو 39%.

 

 

وتعكس هذه الأرقام الفجوة بين الالتزامات المعلنة وما نُفذ على الأرض. كما أن نقص الإمدادات يحد من قدرة السكان على الحصول على الغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء، فيما يظل غياب إعادة الإعمار الواسعة عائقاً أمام عودة النازحين إلى حياة مستقرة.

مع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد المخاوف من السيول وانهيار المباني المتضررة، خصوصاً في ظل نقص المساكن الملائمة وصعوبة توفير أماكن آمنة للعائلات التي فقدت منازلها.

 

 

اتفاق لم يحسم ملفات المرحلة التالية


تتركز الخلافات بشأن مستقبل غزة في عدد من القضايا الأساسية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ومستقبل سلاح حركة حماس، وترتيبات إدارة القطاع، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، إلى جانب ضمان عودة النازحين.

ووفق المعطيات الواردة في التقرير، لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على قرابة 70% من مساحة القطاع، فيما لم تنطلق عملية إعادة إعمار واسعة تتناسب مع حجم الدمار.

 

في المقابل، تربط إسرائيل الانتقال إلى المراحل التالية بترتيبات أمنية تشمل نزع سلاح حماس، معتبرة أن استمرار وجود السلاح يحول دون استكمال الاتفاق. أما الانسحاب وإعادة الإعمار، فيظلان من أكثر الملفات تعقيداً في ظل غياب تفاهمات نهائية بشأن إدارة القطاع ومستقبله السياسي.

وهكذا، لم يؤدِّ وقف إطلاق النار إلى إنهاء الصراع، بل نقل المواجهة إلى مسار تفاوضي تتنازع فيه الأطراف على شروط التنفيذ وتفسير بنود الاتفاق، وسط غياب ضمانات كافية لتحويل التفاهمات إلى خطوات عملية ثابتة.

 

تعثر سياسي يتجاوز حدود غزة

 

يرى الخبراء أن اتفاق وقف إطلاق النار جاء ضمن ترتيبات أميركية أوسع، تعاملت معها الحكومة الإسرائيلية باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، لا التزاماً نهائياً بإنهاء الصراع. ويشيرون إلى أن حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ارتبطت بمحاولة تغيير موازين القوى في المنطقة، بما يتيح فرض شروط جديدة على القطاع، وسط مخاوف من استمرار سياسات التهجير القسري.

ويعتقد الخبراء أن التطورات الإقليمية لم تسر وفق الحسابات الإسرائيلية، إذ لم تؤدِّ المواجهات مع إيران والحروب على جبهات متعددة إلى حسم عسكري أو سياسي كامل. كما أن الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، ومنها القضاء على المقاومة الفلسطينية وتحقيق ما وصفته بـ«النصر المطلق»، لم تتحقق بالكامل، في ظل استمرار وجود حماس والمقاومة داخل القطاع.


ويشير التقييم السياسي إلى أن حجم الدمار الذي لحق بغزة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الإسرائيلية، لافتاً إلى وجود تباين بين واشنطن وتل أبيب بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة. ففي حين تسعى الولايات المتحدة إلى إدماج إسرائيل ضمن ترتيبات إقليمية أوسع تضمن أمنها، تتطلب هذه الرؤية، وفق تقديرات سياسية، استحقاقات لا تنسجم بالضرورة مع توجهات الحكومة الإسرائيلية الحالية.


كما أن استمرار استخدام القوة العسكرية والقيود على المساعدات يعطل الانتقال إلى مرحلة التعافي، ويجعل الاتفاق عرضة لمزيد من التعثر. ولا يُتوقع أن يؤدي تغيير الحكومة الإسرائيلية، في حد ذاته، إلى إنهاء الأزمة، ما لم يترافق مع تغيير في السياسات المتبعة تجاه غزة، خصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب وإعادة الإعمار وشروط المرحلة التالية.


عام ثانٍ أمام اختبارات صعبة


تكشف حصيلة العام الأول أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يتحول إلى سلام مستقر، رغم توقف الحرب الشاملة بالوتيرة التي شهدها القطاع سابقاً. فالخروقات والقيود الإنسانية، إلى جانب استمرار الخلاف على الانسحاب والسلاح والإدارة والإعمار، تجعل الهدنة عرضة للانتكاس.

ويظل الاختبار الأساسي في المرحلة المقبلة مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف والجهات الضامنة على ضمان تنفيذ الالتزامات، وتأمين دخول المساعدات، ووقف العمليات العسكرية، وبدء إعادة الإعمار، ووضع ترتيبات واضحة تكفل حقوق السكان وعودتهم إلى مناطقهم.

فبعد عام من وقف إطلاق النار، لا تزال غزة عالقة بين حرب لم تنتهِ تداعياتها، واتفاق لم تُنفذ بنوده كاملة، ومستقبل سياسي وإنساني لم تتضح معالمه بعد.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5

اقرأ أيضاً