ثلاث طاولات وملفات متشابكة
لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى تركيا، الخميس، مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات بين دمشق وأنقرة، بل جاءت ضمن سلسلة لقاءات تناولت ملفات أمنية وسياسية واقتصادية تتقاطع فيها مصالح سوريا وتركيا والولايات المتحدة.
ففي إسطنبول، التقى الشيباني المبعوث الأميركي توماس براك، قبل أن يجتمع في أنقرة بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالن. وتركزت الملفات المطروحة، وفق المعلومات المتاحة، على مستقبل شمال شرقي سوريا، ودمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في مؤسسات الدولة، والتحديات الأمنية في الجنوب، وإعادة بناء القدرات الدفاعية السورية، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والمؤسسي مع تركيا.
ورغم تعدد الملفات وتشابك مصالح الأطراف، لم تتضمن المعلومات المعلنة تأكيداً على اتفاقات جديدة أو تفاهمات ثلاثية، ما يجعل أهمية الزيارة مرتبطة بمدى قدرة دمشق وأنقرة وواشنطن على تحويل التنسيق القائم إلى خطوات عملية.
اقرأ أيضاً: أراضي الأهالي في قلب المواجهة.. احتجاجات جديدة تهزّ دُمّر بريف دمشق
قسد.. اختبار التنفيذ
احتل ملف شمال شرقي سوريا موقعاً بارزاً في المباحثات، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بتنفيذ التفاهمات الخاصة بدمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ويرى مراقبون أن المسألة لا تتوقف عند التفاهم السياسي على مبدأ الدمج، بل تمتد إلى قضايا أكثر تعقيداً، تشمل توحيد القيادة العسكرية والأمنية، وتحديد الصلاحيات، وتنظيم المؤسسات الإدارية والتعليمية، وضمان استمرار مكافحة تنظيم «داعش».
وتتباين حسابات الأطراف في هذا الملف؛ إذ تنظر أنقرة إلى مستقبل «قسد» من زاوية أمنها القومي وموقفها من التنظيمات التي تعدّها تهديداً، فيما تسعى دمشق إلى استعادة وحدة القرار والمؤسسات، وتتمسك واشنطن باستمرار مكافحة «داعش» وتجنب حدوث فراغ أمني خلال أي انتقال للمسؤوليات.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة اجتماع الشيباني وكالن باعتباره جزءاً من متابعة الملفات الأمنية والتنفيذية، لكن المعلومات المنشورة لا تكفي للقول إن اللقاء أسفر عن صيغة جديدة لدمج «قسد» أو جدول زمني محدد لتنفيذ التفاهمات.
اقرأ أيضاً: بين إغراء الاستثمار وضغوط الاستيراد.. هل تدفع الصناعة السورية الثمن؟
الجنوب والقدرات الدفاعية
لم تقتصر المباحثات على شمال شرقي سوريا، إذ شملت، بحسب معلومات نقلتها مصادر أمنية تركية، الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري وتداعيات رفع العقوبات الأميركية على تطوير القدرات الدفاعية السورية.
ويجمع هذا المسار بين تحديين رئيسيين أمام دمشق: التعامل مع الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية، والعمل على إعادة بناء قدرات المؤسسة العسكرية بعد سنوات من الحرب والدمار.
ويتطلب تطوير هذه القدرات موارد مالية وتقنية، وتدريباً وتأهيلاً، إلى جانب إمكانات للتعاون الخارجي تتأثر بالقيود السياسية والقانونية والبيئة الإقليمية. ومن هنا، يكتسب الموقف الأميركي من العقوبات أهمية في حسابات إعادة بناء المؤسسات الدفاعية وتوسيع التعاون الأمني.
لكن إدراج هذه القضايا في المباحثات لا يعني التوصل إلى اتفاق دفاعي جديد أو تفاهم بشأن التعامل مع إسرائيل. فالمعلومات المتاحة تشير إلى مناقشة الملفات، من دون إعلان التزامات محددة أو إجراءات تنفيذية.
اقرأ أيضاً: دمشق تطالب بتحقيق دولي لكشف مصير بحارة ألفا وطن
أنقرة.. من الأمن إلى الاقتصاد
في اجتماعه مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، برز ملف تفعيل اللجنة العليا المشتركة بين سوريا وتركيا، إلى جانب العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، في ظل الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دمشق.
ويشير طرح اللجنة المشتركة إلى رغبة في نقل العلاقات من مستوى التنسيق السياسي والأمني إلى إطار مؤسسي أكثر انتظاماً، يمكن أن ينظم التعاون في قطاعات التجارة والنقل والطاقة والبنية التحتية، فضلاً عن تبادل الخبرات وتنسيق الملفات الحدودية.
وتنظر أنقرة إلى استقرار سوريا بوصفه عاملاً مؤثراً في أمنها ومصالحها الاقتصادية والإقليمية، فيما تحتاج دمشق إلى توسيع علاقاتها الخارجية والاستفادة من فرص التعاون لدعم التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
غير أن تحويل هذه المصالح إلى شراكة مستدامة يتطلب تحديد أولويات واضحة، ووضع آليات تنفيذ ومتابعة، ومعالجة العقبات التي قد تواجه حركة التجارة والاستثمار والتعاون الإداري.
براك.. البعد الأميركي
أضاف لقاء الشيباني بالمبعوث الأميركي توماس براك في إسطنبول بُعداً آخر إلى الزيارة، نظراً إلى ارتباط واشنطن بملفات مكافحة «داعش» والعقوبات وترتيبات الأمن في شمال شرقي سوريا.
ويكشف تزامن اللقاء مع الاجتماعين التركيين عن تقاطع في القضايا التي تشغل الأطراف الثلاثة، لكنه لا يثبت بحد ذاته وجود مفاوضات ثلاثية أو اتفاق على مقاربة مشتركة لجميع الملفات.
فواشنطن تركز على منع عودة «داعش» والحفاظ على الاستقرار الأمني، فيما تضع أنقرة ملف «قسد» وأمن الحدود في صدارة أولوياتها، بينما تسعى دمشق إلى توسيع هامش حركتها السياسية واستعادة سلطة الدولة على المؤسسات والأراضي السورية.
ومن شأن التنسيق بين هذه الأطراف أن يؤثر في مسار بعض الملفات، إلا أن الوصول إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ يبقى مرهوناً بتوافق المصالح، وطبيعة الضمانات المتبادلة، والقدرة على معالجة نقاط الخلاف.
ترتيبات إقليمية.. أسئلة مفتوحة
تأتي الزيارة أيضاً في ظل تحركات إقليمية أوسع لإعادة ترتيب العلاقات الأمنية والسياسية، بما في ذلك النقاشات المتعلقة بالتعاون الدفاعي بين دول المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل عن موقع سوريا المحتمل في الترتيبات الإقليمية المقبلة، خصوصاً مع توسع اتصالاتها مع تركيا والسعودية ودول أخرى.
لكن لا توجد معلومات معلنة تؤكد أن لقاءات الشيباني تناولت انضمام سوريا إلى منظومة دفاعية إقليمية محددة، أو أنها أفضت إلى تفاهم بهذا الشأن. ولذلك، تبقى هذه المسألة في إطار الأسئلة المتعلقة بمستقبل التعاون الإقليمي، لا النتائج المؤكدة للزيارة.