سقوط المنظومة لا يعني نهاية التجارة
أنهى سقوط نظام بشار الأسد نموذجاً مركزياً لإنتاج الكبتاغون ارتبط خلال سنوات بشبكات أمنية وعسكرية واقتصادية نافذة، لكنه لم يضع حداً لتجارة المخدرات في سوريا والمنطقة.
ومع تفكك البنية السابقة، تبدلت طبيعة السوق من صناعة واسعة ذات مركز إنتاج واضح إلى شبكات أكثر تشتتاً ومرونة، بعضها امتداد لجهات سابقة، وبعضها الآخر دخل إلى المشهد مستفيداً من الفراغ الذي خلّفه انهيار المنظومة القديمة.
وتشير معطيات عمليات الضبط خلال عامي 2025 و2026 إلى أن سوريا لم تعد تواجه نموذجاً واحداً متماسكاً، بل نشاطاً متشعباً يمتد عبر الحدود مع لبنان والأردن والعراق، ويستخدم مسارات ووسائل تهريب متغيرة.
اقرأ أيضاً: مخاوف من اقتحام مخيم جماعة فرنسية شمال إدلب
ضبط متزايد بعد سقوط النظام
أحبطت السلطات السورية الجديدة أكثر من 20 شحنة تهريب مجهزة في جنوبي البلاد بعد سقوط النظام، فيما أظهرت بيانات رسمية أن كميات الكبتاغون التي جرى ضبطها خلال عام 2025 تجاوزت بنحو 25 مرة ما أُعلن عن ضبطه خلال عام 2024.
وشملت العمليات تفكيك معامل ومستودعات وضبط شحنات كبيرة من المخدرات، إلى جانب إحباط محاولات تهريب عبر الحدود مع لبنان والأردن.
وفي حزيران 2025، ضبطت السلطات في ريف دمشق نحو ثلاثة ملايين حبة كبتاغون و50 كيلوغراماً من الحشيش ضمن شحنة قادمة من لبنان، خلال عملية استهدفت شبكة تنشط على الحدود السورية-اللبنانية.
كما كشفت عمليات أخرى عن مخزونات مرتبطة بالبنية السابقة لصناعة الكبتاغون، بينها كميات عُثر عليها في مستودعات داخل مرفأ اللاذقية، وقالت السلطات السورية إنها تعود إلى الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد.
اقرأ أيضاً: شبهات احتيال تطال مئات الشبان بوعود وظائف عسكرية في دير الزور
التجارة مستمرة رغم تفكك الاحتكار
رغم الضربات التي استهدفت شبكات التصنيع والتهريب، لم تختفِ تجارة الكبتاغون من المنطقة، بل تبدلت بنيتها ومساراتها.
فخلال السنوات السابقة، ارتبطت الصناعة بدرجة كبيرة بمنظومة مركزية وفرت الحماية والإمكانات اللازمة للتصنيع والتوزيع والتهريب. أما بعد سقوط النظام، فتبدو السوق أكثر تشتتاً، مع انتقال جزء من النشاط إلى شبكات إجرامية أصغر قادرة على تغيير طرقها ووسائلها بسرعة.
ويعني هذا التحول أن مواجهة المخدرات لم تعد تقتصر على تفكيك مراكز إنتاج كبيرة، بل باتت تتطلب تتبع شبكات متعددة تعمل عبر الحدود وتعيد تنظيم نفسها كلما تعرض أحد مساراتها للضغط الأمني.
اقرأ أيضاً: نحو 50 عائلة في طريق العودة.. قافلة جديدة لنازحي الحسكة
لبنان.. مسار بارز للشحنات
برزت الحدود السورية - اللبنانية خلال الفترة الماضية كأحد المسارات الرئيسية في عمليات الضبط.
وأعلنت السلطات السورية إحباط شحنات قادمة من لبنان، بينها نحو 400 ألف حبة كبتاغون، خلال عملية انتهت بتوقيف شخصين.
وفي عملية أخرى، جرى إحباط تهريب 225 ألف حبة كبتاغون من لبنان إلى ريف دمشق، بينما ضُبطت في عملية سابقة شحنة تحتوي على 46 ألف حبة كبتاغون و113 كيلوغراماً من الحشيش ومواد من مخدر الكريستال.
كما أحبطت السلطات شحنة تضم نحو 200 ألف حبة كبتاغون كانت قادمة من لبنان ومتجهة إلى العراق عبر الأراضي السورية، وانتهت العملية بتفكيك شبكة واعتقال أربعة أشخاص، وفق السلطات.
وتعكس هذه العمليات تحولاً جزئياً في طبيعة حركة المخدرات، بعدما ارتبطت سوريا خلال عهد النظام السابق بصورة أساسية بموقع المنتج والمصدر باتجاه لبنان والأردن ودول الخليج.
ملايين الحبوب في طريقها إلى الحدود
لم تقتصر الشحنات المضبوطة على تلك القادمة من لبنان، إذ استمرت الأراضي السورية في الظهور كنقطة انطلاق أو عبور لشحنات موجهة إلى دول أخرى في المنطقة.
وفي تشرين الأول 2025، أعلنت السلطات ضبط نحو 12 مليون حبة كبتاغون ونصف طن من الحشيش في ريف دمشق، قالت إنها كانت معدة للتهريب إلى الأردن.
كما أُحبطت محاولة لتهريب 180 ألف حبة كبتاغون باتجاه السعودية، بعدما أخفيت داخل أحذية وسروج خيل.
وتشير بيانات وزارة الداخلية السورية إلى ضبط نحو 25.2 مليون حبة كبتاغون و1750 كيلوغراماً من الحشيش داخل سوريا خلال النصف الثاني من عام 2025، إلى جانب ضبط 23 مليون حبة إضافية و500 كيلوغرام من المواد الأولية المستخدمة في التصنيع عبر عمليات تعاون دولية.
التهريب يغيّر أدواته
لم يقتصر تغير نشاط الشبكات على المسارات الجغرافية، بل امتد إلى وسائل التهريب نفسها.
فإلى جانب إخفاء المخدرات داخل المركبات والبضائع والأحذية وسروج الخيل، أعلنت السلطات إحباط محاولة لتهريب الكبتاغون باستخدام مناطيد جوية موجهة إلكترونياً في البادية السورية.
وتكشف هذه الأساليب عن قدرة الشبكات على تطوير أدواتها بهدف تجاوز نقاط التفتيش والرقابة التقليدية، الأمر الذي يزيد صعوبة التعامل معها بالوسائل الأمنية المعتادة.
الجنوب السوري في دائرة المواجهة
يمثل الجنوب السوري أحد أبرز التحديات في ملف مكافحة المخدرات، نظراً لقربه من الحدود الأردنية وتشابك طرق التهريب في المنطقة.
وتطرح تقديرات متخصصة تعزيز التعاون الأمني بين سوريا والأردن ولبنان، بما يشمل تبادل المعلومات حول الشبكات، وتطوير قدرات مراقبة الحدود، ورفع مستوى الفحوص الجنائية للشحنات المضبوطة.
ويرتبط جزء من هذه المقاربة بضرورة تعزيز قدرة مؤسسات الدولة على العمل في المناطق الجنوبية، بالتوازي مع معالجة الملفات الأمنية والسياسية المحلية، بما قد يقلل من اعتماد الدول المجاورة على إجراءات منفردة لمواجهة عمليات التهريب عبر الحدود.
وفي لبنان، تبرز الحاجة إلى تطوير قدرات المراقبة وجمع المعلومات، خصوصاً على الحدود الشرقية، في ظل استمرار ضبط معامل ومواد مرتبطة بصناعة الكبتاغون.
الشمال الشرقي.. طريق محتمل نحو العراق
لا يقتصر خطر تهريب المخدرات على الحدود الجنوبية والغربية، إذ يمثل شمال شرقي سوريا مساراً محتملاً لحركة المخدرات باتجاه العراق.
ويزيد الموقع الجغرافي للمنطقة من أهمية التنسيق الأمني بين دمشق والجهات المسيطرة على مناطق شمال شرقي البلاد، إلى جانب تعزيز مراقبة المعابر والطرق التي تربط سوريا بالعراق.
كما تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق ملاحقة الشبكات بحيث لا تقتصر العمليات على الأراضي السورية، بل تشمل امتداداتها في لبنان وتركيا والعراق والأردن وغيرها من الدول التي يمكن أن تنتقل إليها أنشطة التصنيع أو التهريب أو التوزيع.
من منظومة مركزية إلى شبكات متفرقة
ارتبطت صناعة الكبتاغون خلال عهد النظام السابق بشخصيات وشبكات ذات نفوذ عسكري وأمني، بينها جهات مرتبطة بالفرقة الرابعة وشبكات لبنانية.
وبعد سقوط النظام، واصلت الولايات المتحدة فرض عقوبات على شخصيات قالت إنها مرتبطة بتجارة الكبتاغون، من بينها خلدون حمية، الذي وصفته وزارة الخزانة الأميركية بأنه مرتبط بشبكات لبنانية وسورية وبنشاطات لتصنيع وتهريب المخدرات.
لكن تفكيك جزء من البنية السابقة لم يؤدِ تلقائياً إلى اختفاء السوق، إذ ما تزال شبكات التوزيع والتهريب قادرة على الاستفادة من المسارات التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
معركة مختلفة بعد سقوط الاحتكار
أعاد سقوط النظام تشكيل سوق الكبتاغون في سوريا، لكنه لم يغلق أبواب التجارة التي نشأت حولها خلال أكثر من عقد.
فبدلاً من منظومة إنتاج مركزية تحظى بحماية ونفوذ واسع، تواجه السلطات اليوم شبكة أكثر تشتتاً، تتداخل فيها المسارات القديمة مع أساليب تهريب جديدة وفاعلين قادرين على إعادة تنظيم نشاطهم بسرعة.
وتشير عمليات الضبط المتواصلة إلى أن المرحلة المقبلة لن تتعلق فقط بإغلاق معامل المخدرات، بل بتفكيك الشبكات العابرة للحدود ومصادر تمويلها وطرق نقلها.
وبذلك، يبدو أن التحدي بعد سقوط الأسد لم يعد القضاء على «دولة كبتاغون» مركزية، وإنما منع تحول تفككها إلى سوق أكثر انتشاراً وأصعب في الملاحقة داخل سوريا ودول الجوار.