من الحرب إلى التعافي
يرى خبراء في الشأن اللبناني أن انتقال البلاد من مرحلة الحرب إلى التعافي يتطلب بلورة خطة خروج واضحة ومتكاملة، تقودها السلطة السياسية، وترتكز على مسارات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة، في ظل بيئة داخلية وإقليمية معقدة.
مسار سياسي
أكد خبراء في الشأن اللبناني، أن تحول لبنان من مرحلة الحرب إلى التعافي، يتطلب خطة خروج حقيقية، تعمل القيادة السياسية على الوصول إليها، جوهرها إتمام المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بوساطة أمريكية، ومرتبطة في المقام الأول بنزع سلاح حزب الله.
وأوضحوا أن التعافي يتطلب خطة سياسية تفرض مفهوم السيادة الكاملة للدولة، وأخرى اقتصادية مرهونة انطلاقتها بتدفق المساعدات العربية والدولية، وحجر الزاوية لذلك حصرية السلاح بالدرجة الأولى.
مواقف رسمية
وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون شدد على أن المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي لا تعني التنازل أو الاستسلام، بل تمثل وسيلة لحل المشكلات، مؤكدًا أن اللبنانيين سئموا الحروب.
فيما أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، أن بلاده لا يمكنها توقيع اتفاق لا يتضمن انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا، ونبّه في الوقت ذاته إلى أنه لا يمكن أن تكون هناك دولة ذات سيادة، وفيها جماعات تحمل السلاح.
رهانات المرحلة
ويؤكد باحثون في الشأن البناني أن مستقبل لبنان مرهون بقدرة الطبقة السياسية على تحويل فرصة وقف إطلاق النار إلى عملية تعافٍ مستدامة حيث إن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بوساطة أمريكية، هي جوهر خطة الخروج الحالية.
وأضاف الباحثون أن الهدف المعلن من المباحثات، الوصول إلى سلام تاريخي لكن الواقع هو إدارة أزمة عبر هدن ممتدة، حيث تركز الجهود على ضبط الوضع في الجنوب وهو ما يشبه إطفاء الحرائق دون معالجة مسبباتها في ظل ترك الباب مفتوحًا أمام خروقات متبادلة.
تعقيدات داخلية
أما التعقيد الأكبر بحسب الباحثون، فيكمن في الوضع الداخلي، إذ إنه في الوقت الذي تتفاوض فيه الحكومة للخروج من الحرب، لا تزال قضية حصر السلاح بيد الدولة، تتصدر المشهد حيث تشكل قدرة حزب الله على المناورة واستمرار الاشتباكات العابرة للحدود، عقبة أمام أي تعافٍ حقيقي.
كلفة اقتصادية
ويرى الباحثون أن خطة الخروج السياسية هي في الأساس معركة وجودية حول مفهوم الدولة ذات السيادة الكاملة، ووسط تساؤلات حول كون التعافي وهمًا أم أملًا مشروطًا، فإن الخسائر الاقتصادية فادحة مع انكماش متوقع من 5 إلى 7% ويعيش لبنان على طموح بتدفق المساعدات العربية والدولية.
مفاتيح التعافي
وأوضحوا أن قدرة لبنان على التعافي هائلة، لكن المفتاح الأهم للذهاب إلى ذلك، العبور إلى ضفة السلام الدائم والقطيعة مع الحروب؛ ما يتطلب شجاعة غير طبيعة لانتزاع الدولة من يد الميليشيات، لبناء سلام حقيقي.
واعتبروا أن خطة التعافي موجودة على الورق وتختبر على الأرض، لكنها أشبه بمن يمشي على حبل مشدود فوق هاوية والنجاح يتطلب تزامنًا "معجزًا" بين ضغط دولي ونضج سياسي داخلي وإرادة شعبية جامحة للتغيير.
جهود الدولة
فيما يقول خبراء إن الدولة تسعى للوصول إلى خطة خروج حقيقية من الحرب إلى التعافي، بقيادة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
ولكن المهم بحسب الخبراء أن تكون خطة الخروج مستدامة ومستمرة تجنب لبنان أي حرب قادمة وتنهي التحديات الاقتصادية والعمل على إنعاش الدولة، وعماد ذلك نزع السلاح والخروج من دائرة الإسناد وفرض سيادة الدولة ومن ثم الذهاب إلى الإعمار وعودة النازحين.
جدل السلام
وبين الخبراء أن السلام مع إسرائيل الذي طرح والذي في مرحلة المباحثات قد يشكل أزمة لدى بعض فئات من الشعب اللبناني، رغم أن هذه الاجتماعات لا تطمح إلى التطبيع وتبادل السفارات، ولكن الهدف إنهاء الحروب التي أتعبت الشعب.
تراكمات تاريخية
وتابع الخبراء إنه منذ عام 1948 حتى اليوم يتعرض لبنان لانتكاسات ويستخدم كساحات قتال لمشاريع عديدة لا تعني الدولة، بجانب الحرب الأهلية في فترة معينة، وكل هذه التراكمات تجعل المطلب هو السلام العام بالداخل وليس التطبيع من عدمه ولكن إنهاء الحروب بالحد الأدنى.
سياق إقليمي
وأوضح الخبراء بأن لبنان يخرج من حرب ليست له، ليتعرض للضرب والتدمير، ما بين اقحامه تارة في عملية إسناد غزة، وتارة أخرى يتم الدفع به في عملية الانتقام للمرشد الإيراني الذي قتِل في بقعة تبعد آلاف الكيلومترات عنه.
دور القيادة
واعتبر ياسين أن مهمة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في الفترة المقبلة، الذهاب بالدولة إلى مرحلة استقرار دائم في وقت تؤدي فيه الجغرافيا دورًا سيِّئًا مع لبنان، لذلك تبحث اليوم الدولة عن مرحلة خروج من الأزمات إلى الأبد والالتفات إلى التنمية الداخلية.
اتفاق الطائف
وذكر الخبراء أن اتفاق الطائف الذي توقفت على أثره الحرب اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، هو دائرة محورية في إبعاد لبنان عن أي عملية إسناد أو حرب ولا سيما أن أهم بند فيه هو نزع السلاح الذي يشكل ثقلًا على الداخل، والذي يدافع عن مشاريع أخرى في صدارتها الإيرانية.
موضحين إن تطبيق اتفاق الطائف ينهي أزمة نزع السلاح وحصره في يد الدولة اللبنانية وسيأخذ ذلك لبنان إلى سلام طويل، ليعود لِما كان عليه قبل أن يصبح ساحة اقتتال.
اختبار الاستدامة
في ضوء هذه المعطيات، يبقى مسار التعافي في لبنان رهناً بقدرة الأطراف على ترجمة التهدئة إلى استقرار دائم، وسط تحديات داخلية وضغوط خارجية، ما يجعل خطة الخروج اختبارًا حقيقيًا لإمكانية الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء سلام مستدام.