يتصدر مفهوم "الميثاقية" المشهد السياسي في لبنان مع كل استحقاق دستوري أو أزمة حكم، حتى بات يُستخدم معياراً أساسياً لقياس الشرعية وتقييم القرارات غير أن هذا الحضور الكثيف لا يقابله وضوح مماثل في التعريف أو الوظيفة، وانما يكشف عن التباس عميق بين كونه مبدأً ضامناً للشراكة أو أداة سياسية قابلة للتوظيف.
نشأت الميثاقية كصيغة تنظيمية تهدف إلى ضمان مشاركة المكوّنات المختلفة في السلطة، بما يحفظ التوازن ويمنع الإقصاء، ولم تُطرح يوماً بديلاً عن الدولة أو الدستور إلا أن الممارسة السياسية دفعت بها إلى موقع متقدم، حيث باتت تُستخدم لتبرير تعطيل قرارات أو فرض شروط، وفق موازين القوى أكثر من استنادها إلى قواعد ثابتة.
في المقابل، يبرز مفهوم "الكيانية" كمرتكز أعمق، يرتبط بوجود الدولة واستمراريتها كوحدة سياسية ذات سيادة. فالخلل في التوازنات لا ينعكس فقط على مستوى المشاركة، بل قد يمتد إلى تهديد بنية الدولة نفسها، ما يجعل الكيانية إطاراً أشمل من مجرد تنظيم السلطة.
تكشف المفارقة أن الدستور اللبناني، بصيغته المعدّلة بعد اتفاق الطائف، لا ينص صراحة على "الميثاقية"، ولا يكرّس "الديمقراطية التوافقية" كنظام رسمي، رغم أن الممارسة السياسية جعلت منهما مرجعيتين فعليتين. في المقابل، يؤكد الدستور على مبادئ واضحة مثل العيش المشترك والسعي إلى إلغاء الطائفية السياسية وعدم شرعية أي سلطة تناقض هذه المبادئ.
أدى هذا التباين بين النص والممارسة إلى فجوة بنيوية، حيث تقدّم العرف السياسي على القاعدة الدستورية، وأصبح الغموض أداة لإدارة الحكم ضمن هذا السياق، تحوّلت الديمقراطية التوافقية من آلية لتنظيم التعدد إلى نظام فعلي لتقاسم السلطة بين النخب، ما أسهم في إعادة إنتاج الزعامات الطائفية وتعزيز احتكار التمثيل داخل كل مكوّن.
تبدّل معنى الميثاقية مع الوقت، فلم تعد ثابتة الدلالة، بل أصبحت أداة مرنة تُستخدم بحسب الحاجة، فتُفعَّل أحياناً لتعطيل المؤسسات، وتُغيب أحياناً أخرى عندما تتعارض مع موازين القوى الاستخدام الانتقائي أفقدها تدريجياً بعدها الضامن، وحوّلها إلى عنصر من عناصر التعطيل السياسي.
يطرح هذا الواقع إشكالية جوهرية تتعلق بتمثيل "العيش المشترك": هل تعبّر عنه المرجعيات الطائفية باعتبارها تمثيلاً اجتماعياً، أم القوى السياسية التي تحتكر القرار داخل هذه الطوائف؟ هذا التداخل بين التمثيل الاجتماعي والسياسي يعقّد مفهوم الشرعية ويجعل حدوده غير واضحة.
كرّس اتفاق الطائف منطق الوفاق الوطني كإطار لإدارة السلطة، لكنه لم يتحول إلى قواعد دستورية صلبة، بل بقي عرضة للتأويل، ما أفسح المجال أمام استخدامه كأداة لتقاسم النفوذ بدل أن يكون مدخلاً لبناء الدولة.
تكمن الإشكالية الأساسية في طريقة توظيف الميثاقية. فعندما تُستخدم كضمانة للعيش المشترك، تسهم في تعزيز الاستقرار، أما عندما تتحول إلى وسيلة تعطيل، فإنها تقوّض النظام الديمقراطي من داخله، وتؤدي عملياً إلى ترسيخ سلطة الأقوى تحت غطاء التوافق.
يتقاطع هذا المسار مع واقع سياسي مأزوم، حيث تتنامى سلطات الأمر الواقع في ظل الأزمات المتكررة، ويعتاد المجتمع على الاختلال بدل مقاومته، ما يسمح بتكريس معادلات جديدة على حساب الدولة.
تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط العلاقة بين الميثاقية والكيانية، بحيث تُستعاد الأولى كضمانة مشاركة لا كأداة تعطيل، ويُعاد الاعتبار للثانية كمرجعية عليا تتصل بوجود الدولة واستمراريتها.
يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما العودة إلى الدستور كمرجعية واضحة، أو الاستمرار في إدارة التناقضات عبر مفاهيم ملتبسة. وفي ظل هذا التردد، يبقى الخطر قائماً على التوازن الدقيق الذي يقوم عليه الكيان، بين الحفاظ على التعدد ومنع تحوّله إلى عائق دائم أمام بناء الدولة.