مفاوضات لبنان وإسرائيل في ظل إرث اتفاق 1983

2026.04.23 - 11:34
Facebook Share
طباعة

يعود شبح اتفاق 17 أيار 1983 ليخيّم على المشهد السياسي في لبنان، مع انطلاق مسار جديد من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، في لحظة إقليمية معقدة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع التوازنات الدولية.

 

تُجرى الجولة الجديدة من المفاوضات في 23 أبريل، بعد اجتماع تمهيدي في 14 أبريل في واشنطن، وسط رهان رسمي لبناني يقوده الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على تحقيق اختراق يفضي إلى انسحاب إسرائيلي من الجنوب وترسيم نهائي للحدود.

 

غير أن هذا المسار يصطدم بمعارضة حادة من حزب الله، الذي يرفض أي شكل من أشكال التفاوض المباشر، ويعتبره تنازلاً سياسياً واستراتيجياً. تصاعد الخطاب المعارض داخل بيئة الحزب يعكس مستوى القلق من أي اتفاق قد يغيّر قواعد الاشتباك القائمة، أو يمسّ بدوره الإقليمي.

 

استحضار تجربة 1983 ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل يحمل دلالات سياسية عميقة. في ذلك العام، وُقّع اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، خلال فترة حكم أمين الجميل، وفي ظل وجود عسكري إسرائيلي وسوري داخل الأراضي اللبنانية.

 

الاتفاق جاء بعد 35 جولة تفاوضية بدأت في 28 ديسمبر 1982، وتضمّن بنوداً تتعلق بإنهاء حالة الحرب، وإنشاء منطقة أمنية في الجنوب، ووضع جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية، إضافة إلى التزام متبادل بعدم استخدام الأراضي لأي أعمال عدائية. كما فتح الباب أمام ترتيبات اقتصادية وتنقل للأشخاص والبضائع.

 

رغم إقرار الاتفاق من مجلس النواب اللبناني، لم يدخل حيز التنفيذ. ففي مارس 1984، جرى إلغاؤه تحت ضغط سياسي وعسكري قاده حافظ الأسد، بدعم من قوى لبنانية بارزة مثل وليد جنبلاط ونبيه بري، الذين رفضوا أي اتفاق مع إسرائيل في ظل التوازنات الإقليمية آنذاك.

 

فشل الاتفاق لم يكن نتيجة الضغط السوري فقط، إذ تشير روايات لاحقة إلى أن إسرائيل نفسها لم تكن مستعدة لتنفيذه بالشكل الذي طُرح، خاصة مع إصرارها على ربط انسحابها بانسحاب القوات السورية، وهو شرط لم يكن بيد الدولة اللبنانية تحقيقه.

 

في المقارنة مع الوضع الراهن، تظهر اختلافات جوهرية في البيئة الإقليمية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، كانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي وقّعت اتفاق سلام مع إسرائيل، بينما شهدت السنوات الأخيرة انخراط عدة دول عربية في مسار التطبيع ضمن اتفاقات أبراهام، ما غيّر طبيعة الاصطفافات السياسية في المنطقة.
كما أن مواقف سوريا لم تعد كما كانت، مع بروز مؤشرات على استعداد للانخراط في مسارات تفاوضية، وهو عامل يخفف من أحد أبرز العوائق التي واجهت اتفاق 1983.

 

رغم ذلك، يبرز عامل جديد أكثر تعقيداً يتمثل في الدور الذي يلعبه حزب الله، المدعوم من إيران، حيث أصبح الحزب قوة عسكرية وسياسية رئيسية قادرة على التأثير المباشر في القرار اللبناني، وهو ما لم يكن قائماً بذات المستوى في ثمانينيات القرن الماضي.

 

يرى محللون أن طهران تنظر إلى لبنان كجزء من منظومة نفوذ إقليمي، وأن أي اتفاق مباشر مع إسرائيل قد يؤدي إلى تقليص دور الحزب، وبالتالي تقليص النفوذ الإيراني في شرق المتوسط.

 

على الأرض، يثير ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في جنوب لبنان قلقاً متزايداً، إذ يُنظر إليه كمنطقة عازلة تُرسم بشكل أحادي، وتمتد على مساحات واسعة، مع إخلاء مناطق وتدمير بنى تحتية.

 

هذا التطور يطرح مخاوف من إعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية بطريقة دائمة، ويستحضر نماذج سابقة في مناطق أخرى شهدت إنشاء مناطق عازلة تحولت لاحقاً إلى واقع طويل الأمد.

 

في المقابل، يرى بعض صناع القرار في بيروت أن التفاوض يمثل الخيار الأقل كلفة، خاصة في ظل توازن عسكري يميل لصالح إسرائيل، وخشية من أن يؤدي استمرار المواجهة إلى ترسيخ واقع ميداني جديد يصعب تغييره لاحقاً.

 

يتقاطع هذا الطرح مع رؤية تعتبر أن أي تسوية قد تفتح الباب أمام استعادة الأراضي المحتلة، مقابل ترتيبات أمنية جديدة، قد تشمل إعادة النظر في دور السلاح خارج إطار الدولة.

 

في المحصلة، تقف المفاوضات الحالية عند مفترق حساس، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية. استحضار تجربة 1983 يعكس مخاوف من تكرار سيناريو الفشل، لكنه يسلط الضوء أيضاً على اختلاف المعطيات، ما يجعل النتيجة هذه المرة مفتوحة على احتمالات متعددة.

 

يبقى نجاح المسار التفاوضي مرتبطاً بقدرة الأطراف اللبنانية على إدارة الانقسام الداخلي، وبمدى استعداد القوى الإقليمية للسماح بولادة تسوية جديدة، في بيئة لا تزال شديدة التعقيد والتقلب.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7