تشير تحليلات إسرائيلية حديثة إلى عودة خطاب قديم في الفكر الأمني الإسرائيلي يقوم على توظيف المستوطنات والتجمعات السكنية في المناطق الحدودية كأداة للسيطرة الأمنية وترسيخ الوجود على الأرض، وهو ما يُستحضر في النقاشات الجارية حول غزة ولبنان وسوريا.
في هذا السياق، تناولت ميراف أرلوزوروف في مقال بصحيفة ذا ماركر ما وصفته باستمرار إسرائيل في الاعتماد على منطق يرى في التجمعات الحدودية وسيلة للسيادة وحاجزا أمنيا، معتبرة أن هذا التصور لم يعد محصورا في الحدود مع الأردن ومصر، بل امتد ليشمل مساحات أوسع في الجنوب اللبناني والجولان السوري وقطاع غزة.
ويستند هذا التوجه، بحسب المقال، إلى مقاربة تقوم على فرض السيطرة الميدانية على الأرض أولا، ثم محاولة تثبيتها لاحقا عبر وجود مدني أو تحويلها إلى مناطق أمنية دائمة، حتى في حال كانت الكلفة الاقتصادية والعسكرية أعلى من الفوائد المباشرة.
وتشير المعطيات التي أوردتها الكاتبة إلى أن خطة حكومية إسرائيلية مدفوعة من وزارة الاستيطان تمتد لخمس سنوات بميزانية تقارب خمسة مليارات شيكل، وتهدف إلى تعزيز الاستيطان على الحدود مع الأردن ومصر، باعتبار ذلك أحد الدروس المستخلصة من أحداث السابع من أكتوبر.
ويظهر هذا المنطق، وفق قراءات سياسية وأمنية إسرائيلية، في نقاشات متزامنة تتعلق بغزة ولبنان وسوريا، حيث يطرح في غزة خيار السيطرة العسكرية الكاملة أو إعادة الاستيطان، بينما يبرز في جنوب لبنان تصور لإقامة منطقة عازلة خالية من السكان أو شبه خالية جنوب نهر الليطاني، وفي سوريا يتم التركيز على تثبيت السيطرة في المناطق العازلة وجبل الشيخ.
ويستحضر هذا السياق التاريخي مفهوم "السور والبرج"، الذي ارتبط في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين بإقامة مستوطنات محصنة بشكل سريع عبر إنشاء أسوار وبرج مراقبة خلال فترة قصيرة، بهدف فرض وقائع ميدانية وتثبيت الوجود في مناطق متنازع عليها.
ومع مرور الوقت، تحول هذا المفهوم إلى رمز في الفكر الصهيوني المبكر لفكرة الاستيطان بوصفه أداة سيطرة أمنية وحدودية في آن واحد، وليس مجرد نمط سكني.
وفي المقابل، تشير تحليلات إسرائيلية معاصرة إلى أن هذا النموذج يواجه اليوم تحديات عملية، تتعلق بارتفاع الكلفة الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى محدودية الجدوى السكانية في بعض المناطق الحدودية.
في قطاع غزة، نقلت تقارير إسرائيلية تصريحات لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعا فيها إلى الاستعداد لاحتمال السيطرة الكاملة على القطاع، مع طرح فكرة إعادة إقامة مستوطنات داخله، وهو ما يتقاطع مع نقاشات داخل مؤسسات بحثية إسرائيلية حول إدارة القطاع عبر مناطق عازلة وسيطرة أمنية طويلة الأمد دون تحمل مسؤولية مدنية مباشرة.
وفي جنوب لبنان، تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى نقاش حول إبقاء منطقة جنوب الليطاني خالية من السكان أو فرض قيود صارمة على الحركة فيها، مع طرح أفكار تعتبر نهر الليطاني حدودا أمنية جديدة، في سياق أوسع مرتبط بإعادة تعريف الحدود الشمالية لإسرائيل.
أما في سوريا، فتظهر المقاربة الأمنية الإسرائيلية بشكل مختلف، حيث تركز على السيطرة على المرتفعات والمناطق العازلة، مع تصريحات عسكرية إسرائيلية تحدثت عن بقاء القوات في بعض المناطق لفترة غير محددة، ومنع تمركز أي قوى تعتبرها معادية قرب الحدود.
وتشير دراسات صادرة عن معاهد أمنية إسرائيلية إلى أن العمليات العسكرية في سوريا شملت مئات الغارات على مواقع مختلفة، تركز جزء كبير منها في غرب البلاد، ضمن سياسة تهدف إلى منع تشكل تهديدات قرب الحدود.
في المقابل، تكشف بيانات وتحليلات اقتصادية إسرائيلية أن المستوطنات الحدودية لا تحقق نموا سكانيا أو اقتصاديا متوازنا في جميع المناطق، حيث تشير أرقام إلى تباين واضح في الكثافة السكانية بين حدود غزة ولبنان والأردن، مع وجود مناطق تعاني من ضعف الطلب السكني وتراجع الإقبال.
وتوضح تقديرات محلية أن بعض المستوطنات في مناطق الجنوب تعاني من فائض في الوحدات السكنية غير المأهولة، إلى جانب نقص في البنية التحتية وفرص العمل، ما ينعكس على محدودية الجاذبية السكانية لتلك المناطق.
كما يربط مسؤولون محليون إسرائيليون بين ضعف النمو في هذه المناطق وبين صعوبات لوجستية وأمنية، تشمل إغلاق طرق حيوية لأسباب عسكرية وارتفاع تكاليف تطوير البنية التحتية.
على المستوى الأمني، تبرز انتقادات داخلية لهذا النموذج، حيث يرى باحثون عسكريون إسرائيليون أن الجيش هو المسؤول الأساسي عن حماية الحدود، وليس المستوطنات، بينما يعتبر مسؤولون أمنيون سابقون أن توسيع الوجود المدني في مناطق التماس قد يتحول إلى نقطة ضعف أمنية بدلا من كونه عنصر قوة.
وتظهر استطلاعات رأي داخل إسرائيل تباينا في الموقف الشعبي تجاه هذه السياسات، إذ لا يحظى خيار التوسع الاستيطاني أو إعادة الاستيطان في بعض المناطق بدعم أغلبية واضحة، سواء في غزة أو المناطق الحدودية الأخرى.
وبحسب هذه المعطيات، يتضح أن النقاش داخل إسرائيل لا يقتصر على البعد الأيديولوجي أو التاريخي، بل يمتد إلى جدل عملي حول كلفة هذا النموذج وجدواه الأمنية والاقتصادية.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات تباينا داخل المؤسسة الإسرائيلية بين تيار يدفع نحو توسيع السيطرة الميدانية عبر الحدود، وتيار آخر يحذر من أن هذا التوسع قد يؤدي إلى أعباء أمنية واقتصادية متزايدة، دون أن يحقق بالضرورة استقرارا طويل الأمد.