تُظهر التطورات أن تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لم ينجح في تبديد مخاطر التصعيد، إذ كشف هشاشة التفاهمات القائمة وسط تضارب الرسائل السياسية واستمرار التوترات الميدانية، وفق ما أوردته مجلة فورين بوليسي.
أعلن الرئيس دونالد ترامب تمديد الهدنة بشكل مفاجئ بعد ساعات من التلويح باستئناف الضربات، مبرراً القرار بوجود انقسام داخل القيادة الإيرانية يستدعي منح طهران وقتاً إضافياً لصياغة موقف تفاوضي موحد. هذا الانتقال السريع بين التهديد والمسار الدبلوماسي يعكس رغبة في إنهاء مواجهة مكلفة دون وجود إطار واضح لتسوية مستدامة.
رغم التمديد، تستمر مؤشرات التوتر، حيث تواصل واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، فيما تحافظ طهران على حضورها في مضيق هرمز، مع تسجيل حوادث استهداف واحتجاز سفن خلال الأيام الأخيرة. هذا الواقع يؤكد أن أدوات الضغط المتبادل لا تزال فعّالة ولم يتم تعليقها.
تمثل فجوة الثقة العقبة الأبرز أمام أي اتفاق طويل الأمد، إذ تنظر طهران إلى تمديد الهدنة كمحاولة لكسب الوقت تمهيداً لتحرك عسكري محتمل، في حين تربط أي وقف شامل بإزالة الحصار الأميركي. في المقابل، ترى دوائر القرار في واشنطن أن الانقسام داخل إيران يشكل فرصة لتعزيز الضغط وليس مدخلاً لتقديم تنازلات.
يتزامن ذلك مع تباين داخل المؤسسات الإيرانية بين المسار الدبلوماسي والتيارات المتشددة، ما يحدّ من قدرة طهران على اتخاذ قرارات تفاوضية حاسمة، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي.
لا يقتصر تأثير هشاشة الهدنة على العلاقة الثنائية، بل يمتد إلى ساحات إقليمية، أبرزها لبنان، حيث يبقى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله عرضة للانهيار. يرتبط استقرار هذه الجبهة بمسار التفاهم بين واشنطن وطهران، ما يجعل أي تعثر في هذا المسار عاملاً مباشراً في إعادة التصعيد.
في الوقت نفسه، يظل الخيار العسكري مطروحاً، رغم التحذيرات من كلفته العالية. تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري يتجاوز 50,000 جندي في المنطقة، إلى جانب تعزيزات مستمرة، ما يمنحها القدرة على تصعيد العمليات بسرعة في حال انهيار الهدنة. هذا المعطى يعكس توجهاً داخل بعض الدوائر السياسية نحو الحسم العسكري إذا فشل المسار الدبلوماسي.
على صعيد القدرات، تشير التقديرات إلى أن إيران لا تزال تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى قدرات بحرية قادرة على التأثير في الملاحة الدولية. استمرار الهجمات على السفن يعكس بقاء هذه القدرات فاعلة وقدرتها على فرض معادلات ردع.
يبقى مضيق هرمز في قلب المعادلة، كونه ممراً يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يمنح طهران أداة ضغط استراتيجية. أي تصعيد في هذا الممر قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية.
إلى جانب ذلك، يبرز باب المندب كممر حساس آخر، حيث قد تلجأ أطراف مرتبطة بإيران في اليمن إلى تعطيل الملاحة فيه، ما يوسع نطاق التأثير ويضاعف الضغوط على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
في المحصلة، تعكس الهدنة مرحلة انتقالية عالية المخاطر، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية. استمرار الحصار، بقاء القدرات العسكرية، تعدد الجبهات، وغياب الثقة، جميعها عوامل تبقي احتمالات التصعيد قائمة وتؤكد أن الصراع لم يصل إلى نقطة حسم.