تعيش القرى الحدودية في جنوب لبنان واقعاً معقداً بعد الحرب الأخيرة، حيث لم ينجح وقف إطلاق النار في إعادة الاستقرار أو الحياة الطبيعية إلى هذه المناطق، التي لا تزال تعاني من العزلة والخوف وغياب الخدمات الأساسية.
في بلدة رميش، لا يزال القلق يرافق السكان يومياً، ليس فقط على مستوى الأمن، بل على مستوى الوجود ذاته. يعكس المشهد حالة من الترقب المستمر، في ظل انقطاع الاتصالات وتراجع حركة التنقل، ما يزيد من شعور العزلة عن بقية المناطق اللبنانية.
تُظهر القرى الحدودية، مثل القليعة ورميش وعلما الشعب، صورة مختلفة تماماً عن باقي المناطق التي لم تتأثر بشكل مباشر بالحرب. الطرق المؤدية إلى بعض البلدات لا تزال مقطوعة، بينما مُنع السكان في نحو خمسة وخمسين بلدة من العودة إلى منازلهم، ما جعل آلاف العائلات في حالة نزوح قسري طويل.
في علما الشعب، يواجه السكان صعوبة في الوصول إلى منازلهم أو حتى تفقد ممتلكاتهم، نتيجة القيود الأمنية المفروضة وإغلاق الطرق. يؤكد مسؤولون محليون أن غياب القدرة على العودة يعمّق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، ويجعل مصير السكان معلقاً.
أما في القليعة، فيسود الحذر رغم أن حجم الدمار كان أقل مقارنة ببلدات أخرى. مع ذلك، تركت الأحداث آثاراً واضحة، خاصة بعد استشهاد كاهن البلدة الأب بيار الراعي، وهو ما عزز الشعور بعدم الاستقرار.
اقتصادياً، تعاني المنطقة من اضطرابات حادة، خصوصاً في القطاع الصحي. تشير شهادات ميدانية إلى أن الصيدليات اضطرت إلى تأمين الأدوية على نفقتها الخاصة، في ظل صعوبات النقل وغياب الدعم المنتظم. تراجع عدد السكان أدى إلى انخفاض الاستهلاك، ما تسبب في تكدس الأدوية واقتراب انتهاء صلاحيتها، وهو ما زاد من حجم الخسائر.
في رميش، التي تضم نحو ستة آلاف من السكان، إضافة إلى نحو مئتي شخص من القوزح ويارون، ونحو ثمانمئة عامل سوري يعملون في الزراعة، يبرز تحدي الإمدادات بشكل واضح. قبل الحرب، كانت البلدة تستقبل يومياً عشرات الشاحنات، أما اليوم فقد تراجعت الحركة بشكل كبير، رغم وصول بعض المساعدات الإنسانية.
تؤكد السلطات المحلية الحاجة إلى ممر آمن يربط البلدة بالعاصمة، باعتباره شرياناً حيوياً لتأمين الاحتياجات الأساسية. استمرار انقطاع الطرق يضعف القدرة على الصمود، ويزيد من الضغط على السكان الذين يعتمدون على موارد محدودة.
المشهد العام في الجنوب يعكس حالة انتظار طويلة، حيث لا تزال القرى بين خيارين: العودة إلى واقع غير مستقر، أو البقاء في النزوح دون أفق واضح.
تعاني البنية التحتية من أضرار كبيرة، مع استمرار عمليات الهدم والتفجير في بعض المناطق، ما يعرقل أي محاولة لإعادة الإعمار أو استعادة الحياة الطبيعية.
اجتماعياً، تركت الحرب آثاراً عميقة على السكان، حيث تزايدت مشاعر القلق وعدم اليقين، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة لعدم تجدد المواجهات.
سياسياً، يرتبط استقرار الجنوب بمسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وهو مسار لا يزال غير محسوم، ما ينعكس مباشرة على حياة السكان في القرى الحدودية.
في المجمل، لم يُترجم وقف إطلاق النار إلى استقرار فعلي على الأرض، حيث بقيت القرى الحدودية في حالة هشّة، تتداخل فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، مع استمرار غياب الحلول المستدامة.
يبقى الجنوب في حالة انتظار مفتوحة، بين أمل بعودة الحياة الطبيعية، وواقع يومي يفرض تحديات متزايدة على السكان.