كيف طرح القذافي رواية "الشيخ زبير" عن شكسبير

2026.04.23 - 09:38
Facebook Share
طباعة

يُعد ويليام شكسبير أحد أعمدة الأدب العالمي، وأبرز كاتب مسرحي في التاريخ، حيث ترك إرثاً أدبياً ضخماً شكّل مرجعاً أساسياً في الشعر والمسرح باللغة الإنجليزية. وُلد في إنجلترا في القرن السادس عشر، وتحديداً في بلدة ستراتفورد أبون آفون، وعاش حياة موثقة نسبياً من حيث التعميد والزواج والعمل، قبل أن يتوفى في 23 أبريل 1616.

 

قدّم شكسبير أعمالاً خالدة مثل "هاملت" و"ماكبث" و"روميو وجولييت"، وتميزت كتاباته بعمقها الإنساني وقدرتها على تصوير الصراع الداخلي والسلطة والحب والخيانة. رسّخت مكانته في قمة الإبداع الأدبي، كما كرّست حضوره في المناهج التعليمية والثقافة العالمية.

 

رغم وضوح السجل التاريخي، ظهرت عبر القرون نظريات تشكك في هويته، انطلقت من فرضية أن شخصاً من خلفية اجتماعية متواضعة لا يمكن أن يمتلك معرفة واسعة بتفاصيل البلاط الملكي والسياسة والفلسفة. دفعت هذه الفرضيات إلى الاعتقاد بوجود مؤلفين آخرين يقفون خلف الاسم، أو أن "شكسبير" مجرد واجهة أدبية.

 

في هذا السياق، برزت واحدة من أكثر الروايات إثارة، ارتبطت باسم معمر القذافي، الذي طرح في خطاب شهير عام 1996 فكرة أن شكسبير عربي الأصل، وأن اسمه الحقيقي "الشيخ زبير". جاءت الرواية ضمن خطاب سياسي وثقافي حمل طابعاً جدلياً، إذ ربط القذافي بين ملامح شكسبير وبعض الخصائص التي رأى أنها تعود إلى أصول عربية.

 

أثارت تصريحات القذافي ردود فعل واسعة، تراوحت بين الدهشة والرفض، خاصة في الأوساط الأكاديمية التي تعتمد على وثائق تاريخية واضحة تثبت حياة شكسبير في إنجلترا. مع ذلك، انتشرت الفكرة على نطاق واسع في وسائل الإعلام والفضاء الثقافي، لتصبح من أكثر الروايات تداولاً حول هوية الكاتب.

 

لم تبدأ قصة "الشيخ زبير" مع القذافي، إذ تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر عندما طرحها الكاتب اللبناني أحمد فارس الشدياق في إطار ساخر. لاحقاً، أعاد الباحث العراقي صفاء خلوصي إحياءها بصيغة أكثر جدية، مستنداً إلى قراءات لغوية وثقافية حاول من خلالها الربط بين اللغة الإنجليزية وبعض الأصول الشرقية.

 

استمرت الفرضيات في الظهور، حيث طرح الناقد السوري كمال أبو ديب تصوراً يقارب الفكرة، مع الإشارة إلى احتمال وجود جذور شرق أوسطية، كما قدّم الكاتب التركي قادر مصر أوغلي رواية مختلفة اعتبر فيها أن شكسبير كان مسلماً متخفياً.

 

في المقابل، يعتمد الباحثون في الأدب الإنجليزي على وثائق رسمية تثبت أن شكسبير وُلد وعاش وتوفي في إنجلترا، وأن أعماله نتاج سياق ثقافي ولغوي مرتبط بالبيئة الإنجليزية في تلك الحقبة. تشمل الوثائق سجلات التعميد والزواج والعقود القانونية، إضافة إلى شهادات معاصريه.

 

تُظهر الظاهرة جانباً من كيفية تعامل المجتمعات مع الرموز الثقافية الكبرى، حيث تتحول الشخصيات التاريخية إلى موضوع لإعادة التأويل وفق خلفيات سياسية أو ثقافية أو أيديولوجية. كما تعكس قابلية بعض الروايات غير المثبتة للانتشار، خاصة عندما ترتبط بشخصيات سياسية أو تحظى بتغطية إعلامية واسعة.

 

 

تكشف قصة "الشيخ زبير" عن تداخل الأدب بالسياسة، وعن رغبة بعض الخطابات في إعادة نسب الرموز العالمية إلى هويات محلية أو إقليمية، في محاولة لإعادة تعريف التاريخ الثقافي من منظور مختلف.

 

 

في النهاية، تبقى قيمة شكسبير في أعماله التي تجاوزت الحدود الجغرافية واللغوية، واستمرت في التأثير على المسرح والأدب العالمي. أما الجدل حول أصوله، فيظل جزءاً من سرديات ثقافية متداولة لا تغيّر مكانته الأدبية الراسخة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 2