كشفت تقييمات أمريكية حديثة أن الضربات الواسعة التي استهدفت إيران لم تُنهِ بنيتها العسكرية بالكامل، رغم حجم العمليات التي نفذتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل خلال فترة لم تتجاوز 40 يوماً، وشملت استهداف آلاف المواقع العسكرية والبنى المرتبطة بالإنتاج والتخزين.
وبحسب ما نقلته شبكة سي بي إس عن مسؤولين أمريكيين، فإن نحو ثلثي سلاح الجو الإيراني لا يزال قادراً على العمل، رغم الضربات التي طالت قواعد جوية ومنشآت حيوية. هذه النسبة تعكس تراجعاً واضحاً في القدرة العملياتية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن القوة الجوية لم تتعرض للشلل الكامل كما أشارت بعض التصريحات الرسمية.
في الجانب البحري، تظهر المعطيات أن نحو 60% من قدرات الحرس الثوري الإيراني البحرية لا تزال قائمة، خاصة الزوارق السريعة التي تعتمد عليها طهران في تكتيكات المواجهة غير المتكافئة. هذه الزوارق تشكل تهديداً مستمراً لحركة الملاحة، خصوصاً في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
كما تفيد التقييمات بأن نحو 50% من مخزون إيران من الصواريخ الباليستية كان سليماً عند بدء وقف إطلاق النار، وهو ما يمنحها قدرة ردع مهمة، إضافة إلى امتلاكها آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية القادرة على استهداف قواعد عسكرية ومصالح إقليمية.
تقييمات الأضرار تشير إلى أن الضربات أدت إلى تدمير جزء كبير من البحرية الإيرانية التقليدية، بما في ذلك سفن كبيرة ومنشآت بحرية، إلا أن الجناح البحري للحرس الثوري بقي فعالاً جزئياً، وهو ما يفسر استمرار القدرة على تنفيذ عمليات في البحر وتهديد خطوط الإمداد.
في المقابل، قدمت الإدارة الأمريكية رواية أكثر حدة بشأن نتائج العمليات. الرئيس دونالد ترامب أعلن أن القوات الأمريكية "دمرت البحرية الإيرانية وسلاحها الجوي وقضت على قادتها"، في حين وصف وزير الدفاع بيت هيغسيث العملية، التي حملت اسم "الغضب الملحمي"، بأنها "انتصار عسكري تاريخي وكاسح" جعل القدرات الإيرانية غير فعالة لسنوات.
غير أن التقييمات الاستخباراتية، بما في ذلك إفادة رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية جيمس إتش آدامز، تشير إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرة على إلحاق أضرار، مع استمرار امتلاكها منظومات هجومية متنوعة.
من جهته، أوضح المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن العمليات استهدفت أكثر من 13,000 موقع إيراني، مؤكداً تدمير 92% من أكبر سفن البحرية الإيرانية، إضافة إلى نحو 44 سفينة مخصصة لزرع الألغام. كما وصف العملية بأنها أكبر تدمير بحري سريع خلال 3 أسابيع منذ الحرب العالمية الثانية.
هذه الأرقام تعكس حجم الضربات التي تلقتها البنية العسكرية الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه تبرز أن الضربات ركزت بشكل كبير على الأهداف التقليدية، بينما بقيت القدرات غير المتكافئة، مثل الزوارق السريعة والصواريخ والمسيّرات، فاعلة إلى حد ما.
بالتوازي مع هذه التقييمات، أفادت تقارير إيرانية بأن الحرس الثوري نفذ هجوماً على سفينة ثالثة في مضيق هرمز، في مؤشر على استمرار النشاط العسكري رغم الخسائر، وعلى قدرة طهران على التأثير في الممرات البحرية الحيوية.
سياسياً، أعلن دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، بعدما كان مقرراً انتهاؤه، مع التأكيد على استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، في خطوة تشير إلى انتقال المواجهة نحو نمط طويل الأمد من الضغط العسكري والاقتصادي.
المشهد العام يكشف فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن "تدمير شبه كامل" للقدرات الإيرانية، وبين التقييمات الاستخباراتية التي تؤكد بقاء جزء كبير من هذه القدرات. هذه الفجوة تعكس طبيعة الحروب الحديثة، حيث يصعب القضاء الكامل على القدرات العسكرية، خاصة تلك التي تعتمد على الانتشار والتكتيكات غير التقليدية.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو إيران قادرة على الاستمرار في لعب دور عسكري مؤثر، رغم الخسائر الكبيرة، بينما تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها تحدياً يتمثل في التعامل مع قدرات مرنة وقابلة لإعادة التشكّل، ما يبقي احتمالات التصعيد قائمة في المنطقة.