يتجه المشهد الميداني في جنوب لبنان نحو فرض واقع أمني جديد، في ظل استمرار العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي رغم سريان وقف إطلاق النار، مع تصاعد وتيرة التدمير في البلدات الحدودية وامتدادها إلى مناطق النسق الثاني.
العمليات لم تقتصر على الاشتباكات أو القصف، بل أخذت طابعاً منظماً يستهدف البنية العمرانية والاقتصادية، حيث جرى تدمير منازل ومدارس ومنشآت تجارية في عشرات البلدات الممتدة من الناقورة غرباً إلى الخيام شرقاً، ضمن نطاق واسع يشمل الحافة الأمامية ومناطق خلفية.
قبل الثاني من مارس/آذار، كان منع عودة السكان يتركز في بلدات المواجهة المباشرة، إلا أن المرحلة اللاحقة شهدت توسعاً في نطاق الإجراءات، مع استهداف الجرافات والآليات التي حاولت إزالة الأنقاض، في بلدات مثل مارون الراس وعيتا الشعب وعيثرون ويارون، ما أدى إلى تعطيل عمليات الإغاثة وإعادة التأهيل.
الواقع السكاني تغيّر بشكل حاد، إذ بقيت بلدات عدة خالية بالكامل مثل الظهيرة ومروحين ويارين ومركبا والعديسة وكفركلا، في حين سُجلت عودة جزئية في عيثرون حيث عاد نحو نصف السكان، وسط ظروف معيشية صعبة وبنية تحتية متضررة.
توسع العمليات، شملت الضربات مناطق إضافية مثل البياضة وشمع في القطاع الغربي، وبنت جبيل وعيناثا وبيت ليف في القطاع الأوسط، إضافة إلى الطيبة والخيام في القطاع الشرقي، ما أدى إلى اتساع رقعة الدمار وتزايد عدد البلدات المتضررة.
مع إعلان وقف إطلاق النار في السابع عشر من أبريل/نيسان، جرى رسم ما وصف بـ"خط بالنار" يمتد من الساحل الغربي حتى تخوم شبعا شرقاً، مع فرض قيود صارمة على عودة السكان إلى معظم البلدات الواقعة ضمن الشريط، مع استثناءات محدودة في كفرشوبا وحلتا وبعض مناطق شبعا.
الشريط المعروف باسم "الخط الأصفر" يضم عشرات البلدات، ويخضع لسيطرة عسكرية مباشرة أو لسيطرة نارية، بما يمنع إعادة الاستقرار السكاني ويؤسس لواقع أمني طويل الأمد. الانتشار العسكري والناري في المنطقة يقيّد الحركة المدنية ويجعل العودة محفوفة بالمخاطر.
حجم الأضرار كبير، إذ تعرضت سبع وأربعون بلدة لدمار متفاوت، بينها نحو عشرين بلدة دُمّرت بشكل شبه كامل، خاصة في الحافة الأمامية، حيث اختفت أحياء سكنية بكاملها، وتضررت شبكات المياه والكهرباء والطرق، ما يجعل إعادة الإعمار عملية معقدة تحتاج إلى وقت طويل وإمكانات كبيرة.
عمليات التدمير طالت أيضاً البنية الزراعية، مع قطع الأشجار وتجريف الأراضي، ما يهدد مصادر رزق السكان في حال عودتهم مستقبلاً. كما أن استهداف الآليات التي حاولت إزالة الركام عطّل أي جهود أولية لإعادة الحياة، وأبقى المناطق في حالة شلل شبه كامل.
فرض قيود على العودة ترافق مع تحذيرات ميدانية للسكان من الاقتراب من مناطق معينة، خاصة القريبة من الحدود أو الواقعة ضمن نطاق السيطرة النارية، ما أدى إلى استمرار النزوح وبقاء آلاف العائلات خارج بلداتها.
النمط المتبع في العمليات، من حيث التدمير الواسع ومنع العودة وفرض السيطرة الميدانية، يوازي أساليب استُخدمت في قطاع غزة، حيث جرى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر إخلاء مناطق واسعة ومنع إعادة الإعمار السريع.
يترسخ واقع ميداني جديد في جنوب لبنان يقوم على شريط واسع خالٍ من السكان، مع دمار كبير في البنية التحتية، واستمرار القيود على العودة، ما يطرح تحديات سياسية وإنسانية كبيرة، ويترك مستقبل المناطق مفتوحاً على احتمالات متعددة في ظل استمرار التوتر.