لبنان جريح، لكنه بخير… بخيرٍ يكفي ليصمد، ويكفي ليهزم إسرائيل إن امتلك قراره وتماسك داخليًا. هذه ليست جملة إنشائية، بل خلاصة ميزان قوى معقد يتبدّل، لكن لم ينكسر بعد.
في مرحلة 2026، نحن أمام مفترق خيارات، لا شعارات. وهنا يظهر دور نبيه بري بوصفه لاعبًا لا يرفع الصوت، بل يركّب المعادلات. خياراته عربية، مصالِحة مع إيران، ومفتوحة على أوروبا من أقصاها إلى أقصاها. هذا التموضع ليس ترفًا، بل ضرورة في بلد لا يحتمل الاصطفافات الحادة.
أما سياسات حزب الله، إن كان لها تعريف واضح، فهي لا تصلح للبنان كما لا تصلح للشيعة أنفسهم في شكلها الحالي. يكفي الحزب فخرًا أنه كان، ولا يزال جزئيًا، درعًا للبنان. لكن الحقيقة الصعبة أن هذا الدرع مثقوب. يصبح خطرًا حين ينفصل عن الدولة، ويصبح عبئًا حين لا يتكامل مع الجيش. الطريق الوحيد لإنقاذ دوره أن يتحول إلى جزء من الدولة، لا خارجها؛ أن يصبح ملحها، لا ظلها. لا استسلامًا، بل اندماجًا يجعل الدولة كلها مقاومة، لا ساحة صراع.
أنا لست من أنصار السعودية، ولا من جمهور الرئيس بري. لكن ما يُقال هنا هو الواقعية الوحيدة المتاحة الآن.
من منع تقسيم سوريا؟
السعودي والتركي.
ومن سيمنع تقسيم لبنان؟
السعودي والتركي والمصري، ومعهم سلاح الجيش حين يكون موحدًا ومدعومًا من كل قادر، في مواجهة عملاء إسرائيل الذين يسعون إلى تفجير حرب أهلية.
هل تريد السعودية أن يصبح لبنان مستعمرة إسرائيلية؟ لا.
هل ترغب تركيا بذلك؟ لا.
هل تقبل مصر به؟ بالتأكيد لا.
فلماذا، إذًا، يواصل إعلام ممول من دول نفطية حربه لصالح إسرائيل؟
لأن تأسيس جزء من هذه المنصات فُرض أميركيًا، وتدار من غرف أميركية، وتتلقى توجيهات من جيش العدوان الإسرائيلي. المال عربي، لكن القرار ليس كذلك.
إسرائيل، ومعها المتكاملون معها في الداخل من عملاء ليندسي غراهام عميل الموساد، لا يريدون وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، بل وقفًا دائمًا يُكرّس أمرًا واقعًا: حزام أمني إسرائيلي في جنوب جنوب الليطاني، يتبعه تثبيت واستيطان. هذا المشروع لا يُبنى بالصواريخ فقط، بل بالضغط السياسي الداخلي، عبر منع أي طرف لبناني من مقاومة الاحتلال، تحت شعار “الواقعية” و”الحفاظ على لبنان”.
هنا يبدأ دور بري الحقيقي.
أول ضربة سياسية لهذا المشروع وضع أساسها عبر قنوات مع السعودية لطمأنتها، ثم مع مصر وتركيا لبناء شبكة توازن. أما إيران، فدورها كان مفصليًا. العلاقة المباشرة بين بري وطهران، خارج القنوات الحزبية، منعت انفجارًا داخليًا كان ممكنًا. لولا هذه العلاقة، لربما انقلبت المعادلة، ولرأينا فوضى سياسية تفتح الباب أمام مواجهة داخلية فور إعلان أي طرف أن سلاح الحزب غير شرعي.
بري حمى الدولة من زاويتين:
استعان بإيران لكبح صقور الداخل، واستعان بمحور عربي–إقليمي لكبح ضغوط واشنطن وتل أبيب. وبهذا، منع تورط لاعبين إقليميين في حرب على لبنان، ومنع تحويل الخلاف الداخلي إلى حرب أهلية.
انتظر كثيرون أن يرضخ للضغوط ويغطي مسار استسلام. لكنه فعل العكس: غطّى المقاومة، وربط المصالح بين إيران والسعودية ومصر وتركيا، وصاغ معادلة تمنع تشريع اقتتال اللبنانيين تحت راية “الشرعية” المفخخة.
هل يستطيع بري فرض هذه الوقائع وحده؟
بالطبع لا.
أهميته أنه لم يفرضها بالقوة، بل بالتركيب: معادلات مصلحية مشتركة بين قوى متناقضة، لكنها تلتقي عند منع الانهيار. حتى العقلاء في واشنطن يدركون أن هذه المعادلة تخدم مصالحهم على المدى الطويل، خلافًا لرؤية غراهام غلام بنيامين نتنياهو، الذي يتصرف كمدير ملف لبنان بضوء أخضر من دونالد ترامب.
بري ليس مجرد رئيس مجلس نواب وصل بعض أعضائه بمئات الأصوات. هذا الرجل يقود بيئة قادرة على حشد عشرات آلاف المقاتلين، يمكنهم – إن وُضعت المعادلة الصحيحة – دعم الجيش في ضبط الأمن الداخلي ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية. في الوقت نفسه، يستمر الضغط العسكري جنوبًا لطرد الاحتلال، بينما يبقى الجيش حاميًا للسلم، رغم تقصير الحكومات التي تمنعه من أداء دوره الدفاعي الكامل.
لبنان يعيش واحدة من أسوأ مراحله التاريخية.
لكنه، على نحو متناقض ظاهريًا، بخير.
بخير لأن الخير لا يزال موجودًا في بُنيته، في ناسه، في طوائفه، رغم كل الانقسامات.
وبخير لأن هناك من يفهم أن النجاة لا تأتي من الشعارات، بل من صناعة المعادلات.