تطرح منشأة جبل الفأس نفسها كواحدة من أعقد التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في التعامل مع البرنامج النووي لدى إيران، في ظل تطور ملحوظ في أساليب التحصين والبناء تحت الأرض وبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، فإن الموقع يعكس تحولاً استراتيجياً في بنية المنشآت النووية الإيرانية، يقوم على تعميق المواقع الحيوية وجعلها خارج نطاق الاستهداف التقليدي.
تؤكد واشنطن أنها تمكنت خلال الأشهر الماضية من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية النووية الإيرانية، خاصة عبر ضربات جوية استهدفت منشآت رئيسية باستخدام قنابل خارقة للتحصينات ورغم ذلك، بقيت منشأة "جبل الفأس" خارج نطاق التأثير المباشر، ما يعزز الانطباع بأن طهران طورت نموذجاً جديداً من المنشآت القادرة على الصمود أمام الهجمات الجوية.
تقديرات نقلتها الصحيفة عن خبراء تفيد بأن المنشأة تقع على عمق يزيد بنحو 600 متر مقارنة بمنشأة فوردو، التي تُعد من أكثر المواقع تحصيناً في إيران. هذا العمق، إلى جانب الطبيعة الجيولوجية الصلبة المتمثلة في طبقات الغرانيت، يحدّ بشكل كبير من فعالية الذخائر الأمريكية التقليدية، بما في ذلك القنابل المصممة لاختراق التحصينات.
يرى محللون أن الموقع قد يتحول مستقبلاً إلى مركز رئيسي للأنشطة النووية الحساسة، خاصة ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم بدرجات نقاء مرتفعة. هذا الاحتمال يكتسب أهمية إضافية في ظل تقديرات تشير إلى امتلاك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يمكن تحويله إلى مواد صالحة للاستخدام العسكري خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
رغم إعلان طهران عند بدء العمل في المنشأة عام 2020 أنها مخصصة لإنتاج أجهزة الطرد المركزي، فإنها لم تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إليها، ما يزيد من الغموض المحيط بطبيعة النشاط داخلها. غياب الرقابة الدولية يثير تساؤلات حول مدى تقدم البرنامج داخل الموقع، ويعزز المخاوف من استخدامه في مراحل متقدمة من دورة التخصيب.
صور الأقمار الصناعية التي التُقطت خلال الأشهر الماضية أظهرت نشاطاً ملحوظاً في محيط المنشأة، مع وجود شاحنات ومعدات ثقيلة تعمل على تعزيز المداخل وتحصينها. هذه المؤشرات تدعم فرضية تسريع وتيرة العمل، وربما نقل أجزاء حساسة من البرنامج النووي إلى مواقع أكثر أماناً بعد الضربات التي طالت منشآت أخرى.
في واشنطن، يواجه صانعو القرار معضلة معقدة. تقارير تحدثت عن طرح خيارات عسكرية غير تقليدية، من بينها تنفيذ عمليات خاصة داخل الأراضي الإيرانية لتفجير المنشأة من الداخل، أو استخدام وسائل غير تقليدية لتعطيلها. غير أن هذه السيناريوهات تحمل مخاطر كبيرة، سواء من حيث صعوبة التنفيذ أو احتمال التصعيد العسكري الواسع.
أحد أبرز التحديات يتمثل في طبيعة الموقع نفسه، إذ إن أي استهداف مباشر قد يؤدي إلى طمر مواد نووية داخل الأنقاض، ما يخلق أزمة إضافية تتعلق بكيفية تأمين الموقع ومنع تسرب المواد المشعة. هذا العامل يجعل القرار العسكري أكثر تعقيداً، حيث يتجاوز مسألة التدمير إلى إدارة تداعيات ما بعد الضربة.
داخل الأوساط الاستراتيجية، يظهر انقسام واضح في تقييم الخيارات المتاحة. بعض الخبراء يدعون إلى تحرك عسكري حاسم لمنع إيران من تطوير قدرات نووية، بينما يرى آخرون أن القوة العسكرية وحدها لن تحقق الهدف، وأن الحل الأكثر واقعية يتمثل في مسار دبلوماسي يضمن رقابة صارمة وإغلاق المنشآت الحساسة.
يمتد تأثير هذا الملف إلى نطاق أوسع يتعلق بطبيعة التنافس بين القوى الكبرى، حيث يعكس تطوراً في أساليب بناء البرامج النووية، مع انتقال التركيز نحو منشآت عميقة يصعب رصدها أو استهدافها. في المقابل، تواجه أدوات الردع التقليدية تحديات متزايدة، ما يفرض إعادة تقييم الاستراتيجيات المعتمدة.
كما يسلط الملف الضوء على التحديات التي تواجه نظام عدم الانتشار النووي، في ظل قدرة بعض الدول على تطوير بنى تحتية معقدة تتجاوز قدرات المراقبة التقليدية، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على المؤسسات الدولية المعنية.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز "جبل الفأس" كعامل مؤثر في رسم ملامح المرحلة المقبلة، حيث يجمع بين التعقيد التقني والحساسية السياسية. التعامل مع هذا النوع من المنشآت يتطلب مزيجاً من الأدوات العسكرية والدبلوماسية، إلى جانب فهم أعمق للتحولات الجارية في طبيعة البرامج النووية.
في الخلاصة، لم يعد التحدي مقتصراً على القدرة على استهداف المنشآت، بل أصبح مرتبطاً بمدى القدرة على التعامل مع بيئة استراتيجية تتغير بسرعة، حيث تلعب الجغرافيا والتكنولوجيا دوراً متزايداً في تحديد موازين القوة. ويضع هذا الواقع صانعي القرار أمام خيارات محدودة، تتطلب موازنة دقيقة بين التصعيد والاحتواء، في ملف يُعد من أكثر الملفات حساسية على الساحة الدولية.