تزداد المخاوف الأوروبية من أن التعاون العسكري بين روسيا وإيران، لا سيما في مجال الطائرات المسيرة، قد يشكل معادلة ردع جديدة تُعقّد حسابات الأمن الأوروبي وتفرض تحديات غير مسبوقة على حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وأكد أمين عام الناتو، مارك روته، وجود تعاون وثيق بين روسيا وإيران إلى جانب قوى أخرى، مشيراً إلى أن طهران أصبحت مورداً أساسياً للمعدات التي تدعم العمليات الروسية في أوكرانيا. وأضاف أن القدرات الإيرانية، التي استُخدمت في ضرب أهداف تشمل تركيا وقواعد بريطانية في قبرص، لم تعد تهديداً إقليمياً محدوداً، بل باتت تشكل خطراً متزايداً يطال الحلفاء مباشرة.
ووصف قائد القيادة الأمريكية الأوروبية، أليكسوس غرينكيفيتش، البيئة الاستراتيجية الحالية بأنها من بين الأخطر في التاريخ الحديث، في ظل تنامي التنسيق بين روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية. وأوضح مراقبون أن التعاون الروسي-الإيراني تحول من تقاطع مصالح مرحلي إلى شراكة استراتيجية تعزز قدرة موسكو على مواصلة الحرب وتوسيع نطاقها.
على الأرض، يتجلى هذا التعاون في تصاعد استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، مما كشف عن فجوة متنامية في قدرات الدفاع الجوي الغربية. وقد أطلقت إيران مؤخراً أكثر من 500 صاروخ باليستي وما يقارب 2000 طائرة مسيرة، بينما تحتاج أوكرانيا وحدها إلى نحو 60 صاروخاً شهرياً، ما يضع منظومات مثل "باتريوت" تحت ضغط مستمر ويثير تساؤلات حول قدرة الناتو على الحفاظ على جاهزيته الدفاعية على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
وقال خبير الشؤون الدفاعية البريطاني، جيمس بوسبوتينيس، إن التعاون العسكري بين روسيا وإيران تطور إلى شراكة ممتدة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث كثفت طهران دعمها لموسكو عبر تزويدها بالصواريخ والذخائر والطائرات المسيرة، بما في ذلك "شاهد-131" و"شاهد-136". وأضاف أن موسكو لم تكتف بالاستيراد، بل نقلت التكنولوجيا إلى الداخل الروسي وأعادت تطويرها تحت مسميات "غيران-2" و"غيران-3"، مع إدخال تحسينات تشمل أنظمة توجيه مقاومة للتشويش وتقنيات الذكاء الاصطناعي والرؤوس الحربية.
وأشار بوسبوتينيس إلى أن روسيا تعتمد تكتيك "الإغراق" عبر استخدام أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة إلى جانب أهداف خداعية لإرباك الدفاعات الجوية، وهو أسلوب مرجح أن تستفيد منه طهران في عملياتها. وأكد أن الدعم الروسي يشمل معلومات استخباراتية وبيانات أقمار صناعية، مما يعزز فاعلية الهجمات الإيرانية. وأضاف أن تبادل الخبرات بين الجانبين يخلق تهديداً متشابكاً يمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، بما ينعكس على الأمن الأوروبي والمصالح الغربية، خصوصاً مع تنامي محور التعاون الذي يضم روسيا وإيران وكوريا الشمالية.
من جانبه، قال خبير العلاقات الدولية، الدكتور مهند رضوان، إن التطورات في ملف الطائرات المسيرة بين موسكو وطهران تمثل تحوّلاً نوعياً يتجاوز حدود تبادل السلاح إلى مستوى التكامل الصناعي والاستراتيجي. وأضاف أن العلاقة بدأت بدعم إيراني لروسيا في أوكرانيا، لكنها شهدت تحولاً عكسياً، حيث باتت موسكو تطور نسخاً محسّنة من الطائرات وتعيد تصديرها إلى طهران.
وأوضح رضوان أن هذه الطائرات لم تعد أدوات "عمياء"، بل تعتمد على أنظمة توجيه متقدمة وشبكات اتصال متداخلة تعزز قدرتها على المناورة والتشويش، إلى جانب دعم روسي يشمل البيانات الصناعية وتطوير الخوارزميات. وأكد أن القلق الأوروبي لا يتعلق بالقوة التدميرية لطائرة واحدة، بل بقدرتها على استنزاف أنظمة الدفاع الجوي عبر تكتيك الإغراق، ما يجبر الدفاعات الغربية على استخدام صواريخ اعتراضية باهظة التكلفة.
وأشار رضوان إلى أن هذا النموذج يخلق فجوة اقتصادية في معادلة الردع، حيث تصبح تكلفة الدفاع أعلى من تكلفة الهجوم، وأن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على توزيع قدراتهم الدفاعية على أكثر من ساحة، ما يزيد الضغط على الناتو ويعيد تعريف موازين القوة المحتملة في المرحلة المقبلة.