مع مرور شهرين على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تظل التقديرات متباينة حول مستقبل الصراع، وسط تعقيدات ميدانية وتشابكات إقليمية متنامية منذ 28 فبراير/شباط الماضي. وتشير التطورات الأخيرة إلى ثلاثة مسارات محتملة لتطورات الحرب، تتراوح بين تصعيد شامل، تصعيد مضبوط محدود، أو بداية تهدئة تدريجية مدفوعة بالجهود الدبلوماسية.
سيناريو التصعيد الشامل
تشير المعلومات الميدانية والتقديرات العسكرية الغربية إلى أن احتمال حدوث تصعيد شامل ما زال مطروحًا، بما في ذلك احتمال تنفيذ عمليات برية محدودة داخل الأراضي الإيرانية. وقد تجلت مؤشرات هذا السيناريو في تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، مع نشر قوات كبيرة تشمل مشاة البحرية ووحدات مظلية، في خطوة تعكس جاهزية عملياتية محتملة، لكنها مرتبطة بدرجة كبيرة بمدى نجاح المساعي السياسية والدبلوماسية.
في الوقت نفسه، تؤكد التصريحات الرسمية الأمريكية استمرار الرهان على الحلول غير العسكرية، إذ أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى إمكانية تحقيق أهداف الولايات المتحدة دون اللجوء إلى تدخل بري مباشر. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية تضع خططًا لعمليات برية محدودة، تشمل هجمات نوعية بواسطة قوات خاصة ووحدات مشاة بهدف تحقيق مكاسب تكتيكية سريعة دون الدخول في غزو شامل.
تعتبر جزيرة خارك هدفًا ذا أولوية في هذا السيناريو نظرًا لأهميتها في منظومة تصدير النفط الإيراني، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط. لكن السيطرة عليها قد تواجه مقاومة إيرانية قوية تشمل الطائرات المسيّرة، الصواريخ، الألغام البحرية، وصعوبات تأمين الجزيرة بعد السيطرة عليها. إضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى أن حجم القوات الأمريكية الحالي لا يعكس استعدادًا لغزو كامل، مقارنة بالتجارب السابقة في العراق وأفغانستان، مما يعزز فرضية الاكتفاء بعمليات محدودة.
يضاف إلى ذلك خبرة إيران في الحرب غير المتكافئة وقدرتها على استهداف القوات الأمريكية بوسائل متعددة، مما يزيد من حساسية أي قرار بالتوغل البري. وقد أثارت التقارير عن وصول تعزيزات من قوات النخبة الأمريكية، بما في ذلك وحدات الفرقة 82 المحمولة جوا، تكهنات حول احتمال تنفيذ عمليات برية، بينما أدت تصريحات غير حاسمة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول السيطرة على جزيرة خارك إلى مزيد من التكهنات.
هذا التحرك العسكري قد يرتبط بمحاولة إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما قد يضع القوات الأمريكية في مواجهة مباشرة مع الرد الإيراني المكثف. مع ذلك، تبرز تقديرات تشير إلى أن السيطرة على أهداف محدودة مثل جزيرة خارك قد لا تحدث تحولًا إستراتيجيًا في سلوك طهران، وقد تدفع الأخيرة إلى توسيع نطاق ردها، بما يشمل استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، الأمر الذي يفاقم المخاطر الإقليمية ويؤثر على أسواق الطاقة العالمية.
سيناريو حرب الاستنزاف أو التصعيد المضبوط
السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد مضبوط، يركز على إدارة الصراع عبر ضربات محسوبة ومتبادلة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. يقوم هذا النهج على مبدأ استهداف أهداف نوعية في إطار ما يعرف بسياسة "العين بالعين"، رغم أن قواعد الاشتباك بدأت تشهد تغيرات مع تصاعد خطابات الطرفين.
تصريحات الحرس الثوري الإيراني الأخيرة تعكس ميلًا لتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، مع فرض معادلات ردع جديدة، فيما تتهم طهران إسرائيل بتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت نووية واقتصادية وتعليمية. على الأرض، تجلى هذا السيناريو في تكثيف الضربات الجوية الإسرائيلية على منظومات الصواريخ الإيرانية والمنشآت العسكرية الثقيلة، بينما ردت إيران باستهداف منشآت عسكرية إسرائيلية، ما يشير إلى انتقال المواجهة نحو استهداف مواقع حيوية للطرفين.
التنسيق العسكري الأمريكي الإسرائيلي يتعزز من خلال إعداد خطط هجومية مشتركة وزيارات ميدانية للقادة العسكريين، مع تركيز العمليات على أهداف مرحلية تشمل تفكيك منظومات الدفاع الجوي، ضرب القدرات الصاروخية، واستهداف البنية الاقتصادية وخاصة قطاع الطاقة. كذلك تحظى المضائق البحرية، وعلى رأسها مضيقا هرمز وباب المندب، بأهمية استراتيجية في هذا السياق، إذ تستخدم إيران تهديدات بإغلاقها كأداة ضغط اقتصادي، ما ينعكس على أسعار النفط ويزيد المخاطر على الإمدادات العالمية.
سيناريو التهدئة المحتملة
على الجانب الدبلوماسي، يبرز سيناريو بداية التهدئة، مدفوعًا بتحركات وسيطة لاحتواء الصراع وفتح قنوات تفاوض بين الأطراف. ويعكس هذا المسار إدراكًا متزايدًا لكلفة استمرار المواجهة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، وسط مخاوف من اتساع رقعة الحرب وتداعياتها الإقليمية والدولية.
في إطار هذه الجهود، انعقد اجتماع رباعي في إسلام آباد جمع وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا لتنسيق جهود الوساطة ودفع الأطراف نحو وقف التصعيد. كما ظهرت مؤشرات على تبادل مقترحات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وطهران، شملت ورقة أمريكية من 15 بندًا تتناول البرنامجين النووي والصاروخي والممرات البحرية، مقابل مقترح إيراني من خمس نقاط.
واشنطن تسعى لتجنب الانزلاق إلى "حرب أبدية" وتفضل البحث عن حل سياسي يضع حدًا للعمليات العسكرية ضمن إطار زمني محدود، فيما ترسل رسائل طمأنة للأسواق المالية حول تقليص العمليات تدريجيًا. على الجانب الإيراني، تركز المطالب على وقف إطلاق النار وضمان عدم تجدد الحرب وتعويض الأضرار، ما يعكس فجوة كبيرة بين مواقف الطرفين رغم مؤشرات أولية على استعداد لمواصلة الاتصالات غير المباشرة.
رغم هذه المبادرات، يظل مسار التهدئة مرهونًا بقدرة الوسطاء على تضييق فجوة الثقة، واستعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وسط استمرار حالة الجمود والتصعيد على الأرض، ما يجعل احتمالات فشل التهدئة قائمة في أي لحظة.