تشهد الضفة الغربية تسارعاً في الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تعزيز السيطرة على الأراضي، عبر مزيج من السياسات القانونية والتحركات الميدانية، ما ينعكس بشكل مباشر على الواقع الديمغرافي ويقلّص فرص الحل السياسي القائم على اتفاق أوسلو.
وتظهر الوقائع الميدانية تصاعداً في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، في ظل بيئة أمنية تتيح تنفيذ هذه الهجمات دون ردع فعلي، خاصة في المناطق المصنفة (ب)، حيث تتداخل الصلاحيات المدنية الفلسطينية مع السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
ووفق شهادات محلية، تتكرر حوادث اقتحام المنازل ونهب محتوياتها، ما يدفع العديد من العائلات إلى مغادرة مساكنها تحت ضغط التهديد، في سياق يوصف بأنه تهجير قسري تدريجي.
وتستند هذه التطورات إلى التقسيمات التي أقرها اتفاق أوسلو، حيث تخضع 18% من أراضي الضفة لسيطرة فلسطينية كاملة (المنطقة أ)، و21% لإدارة مدنية فلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية (ب)، فيما تقع 61% من الأراضي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة (ج).
غير أن هذه الترتيبات تشهد تراجعاً مستمراً، إذ تشير معطيات إلى أن إسرائيل هدمت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 4200 منزل ومنشأة، في إطار إعادة تشكيل الجغرافيا على الأرض.
كما أسهم الجدار العازل في تفكيك التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية، بالتوازي مع توسع المستوطنات التي تحولت إلى تجمعات عمرانية مترابطة، مدعومة بشبكات طرق وبنية تحتية متطورة، ما يعزز الوجود الاستيطاني طويل الأمد.
وتظهر البيانات ارتفاع عدد المستوطنين من نحو 110 آلاف إلى أكثر من 540 ألفاً، إضافة إلى إنشاء عشرات المستوطنات والبؤر الجديدة، إلى جانب السيطرة على مواقع صناعية وأثرية ودينية، بما يعزز النفوذ الإسرائيلي على الموارد والمساحات الحيوية.
وعلى الصعيد التشريعي، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً لتسوية أراضي الضفة الغربية، ما أدى إلى نقل إدارة هذه الأراضي من الأوامر العسكرية إلى المؤسسات الإسرائيلية، في خطوة يعتبرها خبراء تمهيداً لضم قانوني فعلي.
وفي هذا السياق، يرى الباحث وليد حباس أن إسرائيل تعمل على استبدال المنظومة القانونية القائمة بأخرى إسرائيلية بالكامل، مع تركيز خاص على المنطقة (ج)، التي تشكل الامتداد الجغرافي المحيط بالمدن الفلسطينية.
في المقابل، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات متزايدة، في ظل ضغوط سياسية وقانونية وانقسام داخلي، ما يحد من قدرتها على التعامل مع التحولات المتسارعة. كما تتصاعد الدعوات لإجراء إصلاحات داخلية شاملة، تشمل إنهاء الانقسام وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات.
وتعكس هذه التطورات تراجع فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، في ظل تآكل الأسس الجغرافية والسياسية، وتحول الضفة الغربية إلى ساحة صراع مفتوحة على مختلف المستويات.