شهدت صحراء النقب جنوب إسرائيل تصعيداً عسكرياً لافتاً، بعد تعرض مدينتي ديمونة وعراد لهجوم صاروخي إيراني، حيث سُجلت انفجارات عنيفة بالقرب من منشآت حساسة، من بينها مركز أبحاث نووي في ديمونة، في تطور اعتبر مؤشراً على قدرة الصواريخ الإيرانية على اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية.
سقط أحد الصواريخ على بعد نحو 20 كيلومتراً من مركز البحوث النووية في ديمونة بعد تجاوزه منظومة القبة الحديدية، بينما أدت الضربات في عراد، شرق بئر السبع، إلى تدمير أكثر من ثمانية مبانٍ سكنية. وجاء هذا الهجوم رداً على ضربة إسرائيلية أمريكية استهدفت منشأة نطنز النووية في إيران.
وخلال ساعات من الهجوم، ارتفع عدد الجرحى في إسرائيل إلى نحو 200، فيما امتلأت المستشفيات بالمصابين ودفعت سيارات الإسعاف بكثافة إلى مواقع الاستهداف. إلا أن أهمية الهجوم لم تقتصر على حجم الخسائر، بل تمثلت في دلالته العسكرية، حيث أظهر قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إلى مناطق شديدة التحصين.
تطور أنظمة التوجيه الصاروخي
يعزى هذا التطور إلى التحسينات الكبيرة في أنظمة التوجيه، إذ لم تعد الصواريخ مجرد مقذوفات باليستية تتبع مساراً ثابتاً، بل تحولت إلى أنظمة ذكية قادرة على تعديل مسارها أثناء الطيران. وتعتمد هذه الصواريخ على أجهزة استشعار وحواسيب تقوم بقياس الحركة والاتجاه ومقارنتها بالمسار المطلوب، ثم تصدر أوامر لتصحيح المسار بشكل مستمر حتى الوصول إلى الهدف.
وتشبه هذه العملية نظام الملاحة العالمي (GPS)، حيث يتم تحديد الموقع بشكل دائم وتصحيح الاتجاه عند الانحراف، ما يؤدي إلى زيادة دقة الإصابة وتقليل هامش الخطأ بشكل كبير.
من الصواريخ البدائية إلى التوجيه الدقيق
خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت إيران صواريخ بدائية مثل "سكود-بي"، التي كانت تفتقر إلى الدقة، إذ بلغ معدل الخطأ فيها نحو كيلومتر، ما جعلها وسيلة ترهيب أكثر من كونها أداة استهداف دقيقة.
ومع نهاية الحرب، بدأت إيران تطوير قدراتها محلياً، بالتوازي مع تعاون تقني مع الصين وكوريا الشمالية، التي زودتها بمكونات أساسية مثل الجيروسكوبات ومقاييس التسارع، ما ساهم في إدخال نظام الملاحة بالقصور الذاتي إلى ترسانتها الصاروخية.
ويعتمد هذا النظام على حساب موقع الصاروخ واتجاهه من خلال تتبع حركته الداخلية دون الحاجة إلى إشارات خارجية، لكنه يعاني من تراكم الأخطاء بمرور الوقت، ما دفع إلى دمجه لاحقاً مع أنظمة تحديد الموقع عبر الأقمار الصناعية لتحسين الدقة.
تطوير الصواريخ الإيرانية الحديثة
مع بداية التسعينيات، طورت إيران سلسلة صواريخ "شهاب"، التي اعتمدت على التوجيه بالقصور الذاتي، لكنها ظلت محدودة الدقة. وشكل صاروخ "شهاب 3" نقلة نوعية بمدى يصل إلى 1300 كيلومتر، رغم أن هامش الخطأ بقي مرتفعاً نسبياً.
وفي العقد الأول من الألفية، ظهرت صواريخ أكثر تطوراً مثل "سجيل" و"قدر"، مع تحسينات في الأداء والدقة، خصوصاً مع استخدام الوقود الصلب.
وشهد عام 2015 الإعلان عن صاروخ "عماد"، الذي تميز بقدرته على المناورة أثناء العودة عبر الغلاف الجوي، بفضل زعانف صغيرة تساعد على تعديل مساره، ما خفّض هامش الخطأ إلى مئات الأمتار، مقارنة بالكيلومترات في الأجيال السابقة.
التوجيه المركب والباحثات الذكية
في السنوات الأخيرة، تبنت إيران مفهوم "التوجيه المركب"، الذي يجمع بين الملاحة بالقصور الذاتي والتوجيه عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى استخدام باحثات مستقلة في مقدمة الصاروخ.
تعمل هذه الباحثات كأنها "عين الصاروخ"، حيث تستخدم تقنيات مثل الرادار أو الأشعة تحت الحمراء أو الكاميرات البصرية لتحديد الهدف في المرحلة النهائية، ما يسمح بإصابة أهداف متحركة بدقة، مثل السفن.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك صاروخ "خليج فارس" المضاد للسفن، الذي يعتمد على باحث حراري لتتبع الهدف، إضافة إلى صاروخ "قاسم بصير" الذي يستخدم توجيهاً بصرياً وحرارياً متقدماً.
وقد ساهم هذا التطور في رفع دقة بعض الصواريخ إلى مستوى يتراوح بين 10 و100 متر، كما ظهر في الهجوم على قاعدة عين الأسد في العراق عام 2020.
الصواريخ الفرط صوتية وتغيير قواعد المواجهة
أدخلت إيران مؤخراً صاروخ "فتاح" الفرط صوتي، الذي يتميز بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع قدرة على المناورة خلال الطيران، ما يجعله صعب الاعتراض.
ويعتمد هذا الصاروخ على نظام توجيه متطور يجمع بين القصور الذاتي والتحديث عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى برمجيات متقدمة لتشكيل المسار، تسمح له باختيار مسار غير متوقع لتفادي الدفاعات الجوية. وتشير تقديرات إلى أن دقته قد تصل إلى ما بين 10 و25 متراً.
تحديات الدفاعات الجوية الإسرائيلية
تعتمد أنظمة الدفاع الجوي التقليدية مثل "باتريوت" و"آرو" على توقع مسار الصواريخ لاعتراضها، لكن الصواريخ الحديثة القابلة للمناورة تقلل من دقة هذه التوقعات، ما يزيد صعوبة الاعتراض.
كما تستخدم إيران تكتيكات إضافية مثل إطلاق أهداف خداعية أو تنفيذ هجمات كثيفة بالصواريخ والمسيرات في وقت واحد، وهو ما يعرف بأسلوب "الإغراق"، بهدف إرهاق أنظمة الدفاع الجوي وزيادة احتمال اختراق بعضها.
ويفرض هذا الواقع معادلة مكلفة على الطرف المدافع، إذ يتطلب اعتراض كل صاروخ إطلاق عدة صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، ما يؤدي إلى استنزاف المخزون الدفاعي.
معادلة الاستنزاف والسباق العسكري
تعكس المواجهة الحالية سباقاً بين مخزون الصواريخ الهجومية لدى إيران ومخزون الصواريخ الاعتراضية لدى إسرائيل، إلى جانب معركة موازية في مجال الاستخبارات لرصد منصات الإطلاق واستهدافها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الصراع على القدرة النارية، بل يمتد إلى القدرة على الاستمرار، حيث قد يكون العامل الحاسم هو من يستطيع الحفاظ على مخزونه لفترة أطول، أو فرض شروطه في أي تسوية محتملة.