حرب إيران تكشف صراع الطاقة بين واشنطن وبكين

2026.03.23 - 09:47
Facebook Share
طباعة

 تتجاوز المواجهة العسكرية الدائرة حول إيران أبعادها المباشرة، لتكشف عن صراع أوسع يتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة في أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

ويبرز النفط كعنصر محوري في هذا الصراع، ليس فقط من حيث الإمدادات والأسعار، بل باعتباره أداة ضغط استراتيجية تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليص الميزة التي اكتسبتها بكين خلال السنوات الأخيرة عبر حصولها على إمدادات طاقة منخفضة التكلفة من دول خاضعة للعقوبات.

في هذا السياق، أدى التصعيد العسكري في الخليج إلى اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة، حيث يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي وكمية مماثلة من الغاز المسال. وقد انعكس ذلك على الأسواق العالمية بارتفاع أسعار النفط من نحو 70 دولاراً للبرميل قبل اندلاع المواجهة إلى مستويات تقارب 110 دولارات، مع توقعات بزيادات إضافية إذا استمر التوتر.

وتُظهر بيانات الطاقة أن الجزء الأكبر من النفط العابر عبر المضيق يتجه نحو الأسواق الآسيوية، خاصة الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، ما يجعل هذه الاقتصادات الأكثر تأثراً بأي اضطراب في الإمدادات. وتعتمد الصين على منطقة الخليج لتأمين نحو نصف وارداتها النفطية، بينما تصل هذه النسبة إلى مستويات أعلى لدى بعض الدول الآسيوية الأخرى.

في المقابل، تدرك الولايات المتحدة تأثير هذه المعادلة على التوازن الاقتصادي العالمي، وتسعى إلى استغلال الظروف الحالية لإعادة فرض نفوذها على تدفقات الطاقة، ليس فقط عبر الإنتاج، بل من خلال التحكم في آليات التسعير والنقل والتأمين والبنية المالية المرتبطة بسوق النفط العالمي.

ويُعد أحد أبرز أهداف هذه الاستراتيجية تقليص تدفق النفط الرخيص إلى الصين، والذي يأتي من دول مثل إيران وروسيا وفنزويلا عبر ما يُعرف بالسوق الموازية التي نشأت نتيجة العقوبات الأمريكية. وتشير التقديرات إلى أن الصين تستورد نحو 2.6 مليون برميل يومياً من هذا النفط، ما يمثل أكثر من خمس وارداتها، وغالباً بأسعار أقل من السوق العالمية بنحو 10 إلى 20 دولاراً للبرميل.

وقد سمح هذا الوضع لبكين بتعزيز قدرتها التنافسية، خاصة في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، إلى جانب بناء احتياطيات استراتيجية ضخمة من النفط تُقدّر بما يتراوح بين 900 مليون و1.3 مليار برميل.

في المقابل، تعمل واشنطن على تقليص هذه الميزة عبر أدوات متعددة، تشمل تشديد العقوبات على شبكات نقل النفط غير الرسمية، واستهداف ما يُعرف بـ"أساطيل الظل"، إضافة إلى إدارة تدفقات النفط العالمي بشكل يسمح بزيادة الأسعار وتقليل الفجوة بين النفط الرسمي والنفط المخفض.

كما اتخذت الولايات المتحدة خطوات مؤقتة لتخفيف القيود على بعض الشحنات النفطية الروسية والإيرانية، بهدف ضبط توازن السوق ومنع حدوث نقص حاد في الإمدادات، مع الحفاظ على مستوى أسعار مرتفع نسبياً، ما يحد من استفادة الصين من الفروقات السعرية.

ويأتي ذلك ضمن سياق أوسع من التنافس الاقتصادي، حيث تسعى واشنطن إلى استخدام الطاقة كورقة تفاوض في مواجهة الصين، خاصة في ظل هيمنة بكين على سلاسل توريد المعادن الأرضية النادرة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، من الإلكترونيات إلى الصناعات العسكرية.

وتنتج الصين نحو 60% من هذه المعادن عالمياً، وتسيطر على ما يصل إلى 90% من قدرات معالجتها، ما يمنحها نفوذاً كبيراً في هذا القطاع. وقد ردت بكين على الضغوط الأمريكية بفرض قيود على صادرات هذه المواد، في إطار الحرب التجارية المستمرة بين الطرفين.

في الوقت نفسه، تعمل الصين على تقليل اعتمادها على النفط المستورد عبر التوسع في الطاقة المتجددة، حيث ارتفعت مساهمة هذه المصادر في مزيج الطاقة إلى أكثر من 20%، مع نمو كبير في قدرات توليد الكهرباء من مصادر نظيفة.

كما تسعى بكين إلى تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في مشاريع خارجية، لتقليل المخاطر المرتبطة بنقاط الاختناق الجيوسياسية مثل مضيقي هرمز وملقا.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة لتأمين إمدادات المعادن النادرة خارج الصين، عبر دعم مشاريع التعدين والمعالجة في دول حليفة، في محاولة لتقليل اعتمادها على الهيمنة الصينية في هذا المجال.

وتعكس هذه التطورات ترابطاً متزايداً بين أسواق الطاقة والمعادن الاستراتيجية، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على النفط والغاز، بل امتد ليشمل الموارد التي تقوم عليها الصناعات الحديثة.

وفي هذا الإطار، تُظهر الحرب الحالية حول إيران جانباً من هذا التنافس المعقد، حيث تُستخدم الطاقة كأداة ضمن صراع أوسع على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي العالمي، في وقت تسعى فيه كل من واشنطن وبكين إلى إعادة تشكيل قواعد النظام الاقتصادي الدولي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8