لماذا لا تتحول الضربات الأمريكية إلى مكاسب سياسية

2026.03.19 - 08:06
Facebook Share
طباعة

 تتجه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران نحو مرحلة أكثر تعقيداً، مع تزايد المؤشرات على اتساع الفجوة بين النتائج العسكرية المحققة والأهداف السياسية المعلنة. وعلى الرغم من التفوق العسكري الواضح، فإن مسار الصراع يكشف صعوبة تحويل هذا التفوق إلى نتائج حاسمة على الأرض أو في المفاوضات.

في هذا السياق، يواجه الرئيس الأمريكي Donald Trump انتقادات داخلية متزايدة، تتعلق بغياب رؤية استراتيجية واضحة منذ بداية العمليات العسكرية. وتُظهر تحليلات إعلامية أمريكية أن الإدارة رفعت سقف أهدافها بشكل كبير، متحدثة عن إضعاف إيران، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، بل وحتى تغيير النظام، دون تقديم تصور عملي لتحقيق هذه الأهداف أو إدارة تداعياتها.

وتشير هذه التقديرات إلى أن الاعتماد على الضربات الجوية وحدها لا يكفي لتحقيق تحولات سياسية عميقة، خاصة أن تجارب سابقة أظهرت أن إسقاط الأنظمة يتطلب تدخلاً برياً، وهو خيار لا يبدو مطروحاً بقوة في الحسابات الأمريكية الحالية.

في المقابل، ترى تحليلات أخرى أن معيار النجاح في الحروب لا يُقاس بحجم الخسائر التي يتكبدها الخصم، بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية. ووفق هذا المنطق، فإن الضربات التي ألحقت أضراراً بالبنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية وبعض البنى التابعة للحرس الثوري، لم تُترجم حتى الآن إلى نتائج سياسية واضحة.

ورغم تراجع بعض القدرات العسكرية الإيرانية، فإن طهران لا تزال قادرة على الرد، كما لم تُظهر مؤشرات على قبول شروط مثل "الاستسلام غير المشروط" أو التخلي عن برنامجها النووي، وهو ما يعكس محدودية أثر القوة العسكرية في فرض تسوية نهائية.

وتبرز مسألة البرنامج النووي كأحد أبرز التحديات التي تكشف حدود العمل العسكري. فالتقارير تشير إلى استمرار وجود مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب، ما يعني أن الضربات الجوية لم تنهِ هذا الملف، بل قد تدفع إيران إلى تسريع خطواتها في هذا الاتجاه، خاصة في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة.

كما أن أي محاولة للسيطرة على هذا المخزون بالقوة تبدو معقدة، إذ قد تتطلب عمليات برية واسعة النطاق، وهو ما يفتح الباب أمام تصعيد كبير وتكاليف غير محسوبة.

على صعيد آخر، ساهمت الحرب في إعادة ترتيب المشهد الداخلي الإيراني، حيث وفّرت الضربات الخارجية فرصة للسلطات لتعزيز التماسك الداخلي، عبر خطاب يقوم على مواجهة "العدوان الخارجي"، بدلاً من تركيز الأنظار على التحديات الاقتصادية والسياسية الداخلية.

وفي الجانب الاقتصادي، برز مضيق هرمز كأحد أهم عناصر الضغط في الصراع. فمع تصاعد التوتر، ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، ما يعكس حساسية الأسواق لأي تهديد لهذا الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن تعطيل الملاحة في المضيق، سواء بشكل كامل أو جزئي، لا يتطلب سيطرة عسكرية تقليدية، بل يمكن تحقيقه عبر هجمات متقطعة أو رفع تكاليف التأمين، وهو ما يحول الممر إلى ساحة استنزاف مستمرة.

وفي هذا الإطار، تواجه البحرية الأمريكية تحديات كبيرة في تأمين حركة الملاحة، حيث يتطلب ذلك موارد واسعة وانتشاراً طويل الأمد، في ظل تهديدات مستمرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما أن استمرار هذا الوضع يفرض ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتأثير ذلك على سلاسل الإمداد والتضخم.

على المستوى الدولي، يلاحظ وجود تردد واضح لدى الحلفاء في الانخراط الكامل في العمليات، خاصة في ما يتعلق بحماية الملاحة في الخليج. ويُعزى ذلك إلى غياب التنسيق المسبق، إضافة إلى المخاوف من الانجرار إلى صراع طويل ومكلف.

هذا التردد يضيّق هامش الخيارات أمام واشنطن، التي تجد نفسها أمام مسارات محدودة، إما الاستمرار في العمليات العسكرية مع ما تحمله من كلفة متزايدة، أو البحث عن تسوية قد تتطلب تقديم تنازلات سياسية.

في المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمّل كلفة حرب طويلة نسبياً، حيث لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري مباشر، بقدر ما تسعى إلى إطالة أمد الصراع ورفع كلفته على الولايات المتحدة وحلفائها.

ويعني ذلك أن الصراع قد يتحول إلى حرب استنزاف، تُقاس فيها النتائج بمرور الوقت وتأثير الضغوط الاقتصادية والسياسية، وليس فقط بنتائج المعارك.

في المحصلة، تشير التطورات إلى أن استمرار الحرب قد لا يؤدي إلى حسم سريع، بل إلى تعقيد أكبر في المشهد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتوازنات الدولية. كما أن كل يوم إضافي في الصراع قد يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية، في وقت تتراجع فيه فرص تحقيق أهداف واضحة لأي من الطرفين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8