اضطراب الأسواق
تتصاعد أهمية الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية في الأسواق العالمية مع اتساع الاضطرابات التي تضرب تجارة الطاقة، في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى إعلان عدد من شركات النفط والغاز الكبرى في الخليج حالة القوة القاهرة. وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة من انقطاع واسع في الإمدادات وارتفاعات حادة في الأسعار، ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: متى تلجأ الدول إلى استخدام احتياطاتها النفطية الإستراتيجية؟
نقاش السحب
جاءت هذه المخاوف بعد الكشف عن اجتماع وزراء مالية دول مجموعة السبع لمناقشة احتمال الإفراج المشترك عن النفط من احتياطيات الطوارئ بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية. وانتهى الاجتماع إلى توافق يقضي بعدم السحب حالياً، مع إبقاء الخيار مطروحاً إذا تفاقمت التطورات في الأسواق.
ويعكس هذا النقاش حساسية اللحظة، إذ لا يتعلق الأمر بارتفاع الأسعار فحسب، بل بقدرة الاقتصادات الكبرى على احتواء صدمة طاقة محتملة في حال طال تعطل الإمدادات من مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.
تحرك أميركي
في السياق ذاته، أعلن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أن الولايات المتحدة تدرس ترتيب مبيعات من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي بالتنسيق مع دول أخرى في حال قررت السحب من مخزوناتها، في إشارة إلى أن هذا الخيار لا يزال مطروحاً ضمن أدوات إدارة أزمة الطاقة العالمية.
وجاء ذلك في وقت شهدت فيه أسعار النفط قفزة كبيرة، حيث تجاوز خام برنت مستوى 119 دولاراً للبرميل في بعض التداولات قبل أن يتراجع لاحقاً إلى أقل من 100 دولار، وسط مخاوف من تحوّل التوترات الجيوسياسية إلى صدمة طاقة عالمية قد تدفع الدول المستوردة إلى استخدام مخزوناتها الإستراتيجية كحل مؤقت.
ما هو الاحتياطي؟
الاحتياطي النفطي الإستراتيجي هو مخزون طوارئ تحتفظ به الدول أو تفرض على شركاتها الاحتفاظ بجزء منه، لاستخدامه في حال حدوث انقطاع مفاجئ أو كبير في الإمدادات نتيجة الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الجيوسياسية أو الاختناقات اللوجستية.
وتقوم فكرة هذه الاحتياطيات على توفير هامش أمان يسمح للدول بمواصلة تلبية احتياجاتها الحيوية لفترة محددة عندما تتعرض الأسواق لهزة كبيرة، بما يمنح الحكومات وقتاً لإدارة الأزمة والبحث عن بدائل أو انتظار عودة الإمدادات الطبيعية.
المخزون الأميركي
تمتلك الولايات المتحدة أكبر احتياطي إستراتيجي معلن في العالم، حيث يُخزَّن النفط داخل كهوف ملحية ضخمة في ولايتي تكساس ولويزيانا.
وتبلغ السعة التصميمية لهذا الاحتياطي 714 مليون برميل، بينما يبلغ حجمه الحالي نحو 415.4 مليون برميل، أي أقل من 60% من طاقته القصوى بعد السحوبات الكبيرة التي جرت عام 2022. ومنذ بدء الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب لم يرتفع حجم الاحتياطي إلا بنحو 5% فقط.
متى يُستخدم؟
تلجأ الدول عادة إلى احتياطياتها النفطية عندما تتعرض إمدادات الطاقة لخطر مباشر، سواء نتيجة حرب أو إغلاق ممرات بحرية إستراتيجية أو تضرر منشآت إنتاج وتصدير أو ارتفاعات حادة في الأسعار تهدد الاقتصاد والنمو والتضخم.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن معظم الدول تعتمد أساساً على الشراء اليومي من الأسواق لتلبية احتياجاتها الاقتصادية والأمنية، لكن إذا وقع تطور كبير مثل إغلاق مضيق هرمز وتوقف الإمدادات العالمية، فإن الحكومات قد تضطر إلى استخدام جزء من مخزونها لفترة محدودة إلى أن تنجلي الأزمة.
وبذلك فإن الاحتياطي الإستراتيجي ليس بديلاً عن السوق الطبيعية، بل يوفر متنفساً مؤقتاً يمكّن الدول من امتصاص الصدمة الأولى ومنع تحول نقص الإمدادات إلى أزمة فورية في الاستهلاك والإنتاج والنقل.
تأثير محدود
يرى الخبراء أن اللجوء إلى هذه المخزونات يصبح أكثر إلحاحاً في الأزمات الكبرى التي تتداخل فيها الحروب مع تعطل الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإعلان القوة القاهرة من المنتجين.
ورغم أن الإفراج عن النفط من الاحتياطيات قد يهدئ الأسواق جزئياً عبر إضافة براميل جديدة وإرسال إشارة سياسية ونفسية بأن الدول الكبرى مستعدة للتدخل لمنع انفلات الأسعار، فإن تأثيره يبقى محدوداً زمنياً إذا طال أمد الأزمة.
فالمخزونات ليست مورداً إنتاجياً متجدداً، بل نفط سبق سحبه من السوق وخُزن للطوارئ. وتشير تقديرات إلى أن هذه الكميات، وفقاً لاستهلاك الدول الصناعية مجتمعة، قد تكفي لنحو 25 يوماً فقط.
مخزونات أوروبا
تشير المفوضية الأوروبية إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تملك حالياً مخزونات نفطية تكفي لنحو 90 يوماً، مؤكدة أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على وجود حالة طارئة.
ولهذا السبب يصبح مجرد التلويح باستخدام الاحتياطي أداة مؤثرة بحد ذاته، إذ يمكن أن يخفف الضغوط السعرية حتى قبل تنفيذ السحب فعلياً، كما حدث خلال النقاشات داخل مجموعة السبع.
أكبر الاحتياطيات
أكبر الدول من حيث الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية هي:
الولايات المتحدة: نحو 415.4 مليون برميل، تعادل قرابة 125 يوماً من صافي وارداتها النفطية.
الصين: نحو 900 مليون برميل، أي ما يقارب 78 يوماً من الواردات.
اليابان: حوالي 260 مليون برميل من المخزونات الحكومية تكفي نحو 146 يوماً.
ألمانيا: نحو 145 مليون برميل تغطي الاستهلاك لنحو 70 يوماً.
فرنسا: نحو 122 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية تكفي حوالي 95 يوماً من صافي الواردات.
القدرة على الضخ
تختلف مدة كفاية الاحتياطي الإستراتيجي بين الدول تبعاً لطريقة احتسابها، فقد تقاس على أساس صافي الواردات أو وفق الاستهلاك المحلي أو بحسب القدرة الفنية على ضخ النفط إلى السوق.
في الولايات المتحدة مثلاً يمكن للاحتياطي أن يضخ النفط بمعدل أقصى يبلغ 4.4 ملايين برميل يومياً لمدة 90 يوماً. أما إذا جرى السحب بمعدل مليون برميل يومياً فيمكن أن يستمر الضخ لنحو عام ونصف تقريباً.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الاحتياطي قادر على تعويض كامل الطلب العالمي، فالعالم يستهلك نحو 100 مليون برميل يومياً، بينما يبلغ استهلاك الولايات المتحدة وحدها نحو 20 مليون برميل يومياً.
سوابق تاريخية
سبق أن استخدمت الدول الاحتياطيات الإستراتيجية في عدة أزمات كبرى، أبرزها بعد حرب الخليج عام 1991، وبعد إعصار كاترينا، وأثناء اضطرابات الإمدادات من ليبيا عام 2011، وكذلك عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022.
كما تلجأ الولايات المتحدة أحياناً إلى السحب من مخزونها إذا ارتفعت الأسعار بشدة أو إذا أرادت التأثير في السوق النفطية العالمية، خصوصاً عندما ترى أن الأسعار تجاوزت المستويات الملائمة لاقتصادها.
صدمة 1973
يستحضر خبراء الطاقة أزمة 1973 النفطية باعتبارها لحظة مفصلية كشفت القيمة الإستراتيجية للمخزونات النفطية، عندما أدى استخدام سلاح النفط إلى اضطرار عدد من الدول إلى السحب من احتياطياتها وتسريع الجهود الدولية لاحتواء الأزمة وإعادة تدفق الإمدادات.
إذا طال الصراع
تكمن المشكلة الأساسية في أن الاحتياطيات الإستراتيجية صُممت لتوفير هامش زمني مؤقت في مواجهة الأزمات، لا لضمان إمدادات طويلة الأجل.
ويحذر الخبراء من أن استمرار الحرب أو توسعها قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الإمدادات العالمية ليس فقط في الطاقة، بل أيضاً في الغذاء والصناعة، خاصة إذا تضررت منشآت الإنتاج في الخليج أو توسعت حالات القوة القاهرة.
توازن الطاقة
في النهاية، يشدد خبراء الطاقة على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين استخدام الاحتياطيات الإستراتيجية وبين الحفاظ على أمن الطاقة. فالإفراط في السحب لتخفيف الأسعار قد يترك الاقتصادات الكبرى مكشوفة إذا تفاقمت الحرب أو طال تعطل الإنتاج، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمة طاقة واقتصاد عالمية أعمق