كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن وكالات الاستخبارات الأمريكية توصلت إلى تقييم يفيد بأن إيران، أو ربما جهة أخرى، قد تتمكن من استعادة المخزون الرئيسي من اليورانيوم عالي التخصيب الذي دُفن تحت أحد المواقع النووية في مدينة أصفهان نتيجة الضربات العسكرية الأمريكية التي استهدفت المنشأة خلال العام الماضي.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين مطلعين على التقارير الاستخباراتية، فإن إيران باتت قادرة حاليا على الوصول إلى هذا المخزون عبر نقطة دخول ضيقة للغاية. ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول مدى السرعة التي يمكن لطهران أن تتمكن بها من نقل هذا اليورانيوم، خاصة أنه مخزَّن على شكل غاز داخل حاويات مخصصة لذلك، وهو ما قد يجعل عملية نقله معقدة وتتطلب ترتيبات فنية ولوجستية خاصة.
وأكد المسؤولون الأمريكيون أن وكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة تراقب الموقع النووي في أصفهان بشكل دائم ومكثف، وأنها تمتلك مستوى عاليا من الثقة بقدرتها على رصد أي محاولة قد تقوم بها الحكومة الإيرانية أو أي جهة أخرى لنقل هذا المخزون من اليورانيوم. وأضافوا أن واشنطن تملك الوسائل الكفيلة بالرد في حال تم اكتشاف أي تحرك من هذا النوع.
ويُعد هذا المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب عاملا أساسيا في حال قررت إيران المضي قدما في طريق تصنيع سلاح نووي. ولهذا السبب، أصبح مصير هذا اليورانيوم والخيارات المتاحة لتأمينه أو منعه من الوقوع في أيدي طهران من القضايا المهمة التي تشغل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خاصة في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها إيران نتيجة الضربات العسكرية المستمرة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل البلاد.
وخلال حديثه مع الصحفيين يوم السبت، سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عما إذا كان يفكر في إرسال قوات برية إلى إيران بهدف تأمين مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أنه لم يستبعد الفكرة تماما، لكنه أوضح أنها ليست مطروحة للتنفيذ في الوقت الحالي. وقال ترمب في هذا السياق: "في الوقت الحالي نحن ندمرهم بقوة، لكننا لم نستهدف ذلك بعد. قد يكون هذا شيئا نفعله لاحقا، لكننا لن نقوم به الآن".
وفي سياق متصل، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم السبت إلى أن أحد الدوافع الرئيسية وراء قرار إسرائيل خوض الحرب ضد إيران كان قيام الحكومة الإيرانية بنقل مشاريعها النووية وبرامجها الصاروخية إلى أعماق الأرض. وأوضح أن هذه الخطوة جعلت تلك المنشآت أكثر تحصينا وصعوبة في الاستهداف، بحيث تصبح في بعض الحالات شبه محصنة ضد الهجمات العسكرية التقليدية.
وكانت الولايات المتحدة قد اختارت في العام الماضي عدم محاولة استعادة هذا المخزون من اليورانيوم عقب الحرب التي استمرت اثني عشر يوما، والتي تعرضت خلالها عدة مواقع نووية إيرانية لقصف مكثف. ووفقا لما نقلته الصحيفة، فقد رأى الرئيس ترمب في ذلك الوقت أن تنفيذ عملية عسكرية تهدف إلى استعادة اليورانيوم سيكون شديد الخطورة، خاصة إذا تطلب الأمر إدخال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية.
ويشير مسؤولون أمريكيون إلى أن أي عملية من هذا النوع ستكون محفوفة بالمخاطر إلى حد كبير، إذ قد تستدعي إرسال قوات برية إلى منطقة معادية، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري واسع. ولهذا السبب، يرى بعض المسؤولين أن الحملة الجوية الحالية ضد إيران قد تحتاج إلى الاستمرار لعدة أيام إضافية بهدف إضعاف قدرات الدفاع الجوي الإيرانية والبنية العسكرية المرتبطة بها، قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن جدوى تنفيذ عملية برية محتملة.
وفي تصريح آخر أدلى به يوم السبت، تطرق ترمب إلى هذه المخاطر قائلا إن مثل هذه العملية تتطلب الانتظار إلى حين إضعاف إيران بشكل كبير. وأضاف: "أعتقد أنه إذا قمنا بذلك في يوم من الأيام، فسيكون ذلك عندما يكونون قد دُمّروا إلى درجة أنهم لن يتمكنوا من القتال على الأرض".
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المسؤولين الأمريكيين ناقشوا خلال الأسابيع الأخيرة، وحتى قبل بدء الحملة العسكرية الحالية، عدة سيناريوهات وخيارات مختلفة للتعامل مع هذا المخزون من اليورانيوم. وشملت هذه الخيارات إمكانية تأمينه بشكل مباشر أو اتخاذ خطوات لمنع إيران من الوصول إليه في المقام الأول.
ووفقا لتقديرات مسؤولين أمريكيين، تمتلك إيران حاليا نحو 970 رطلا من اليورانيوم عالي التخصيب، ويتركز الجزء الأكبر من هذا المخزون في موقع أصفهان. وقد جرى تخصيب هذا اليورانيوم بنسبة تبلغ 60%، وهي نسبة مرتفعة للغاية مقارنة بالاستخدامات المدنية للطاقة النووية، لكنها لا تزال أقل من نسبة 90% المطلوبة عادة لإنتاج سلاح نووي.
غير أن الخبراء يشيرون إلى أن الوصول من نسبة تخصيب 60% إلى 90% يعد خطوة تقنية أسهل نسبيا في حال كانت أجهزة الطرد المركزي الإيرانية تعمل بكامل طاقتها، وهو ما يثير مخاوف لدى واشنطن وحلفائها بشأن إمكانية تسريع برنامج إيران النووي في حال تمكنت من استعادة هذا المخزون.
وخلال جلسة نقاش في مجلس العلاقات الخارجية في وقت سابق من هذا الأسبوع، سُئل المسؤول الأعلى للسياسات في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن مدى تركيز المحللين الحكوميين على هذا المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب. ورد المسؤول قائلا: "من دون الدخول في تفاصيل، من الواضح أننا نركز عليه بشدة"، في إشارة إلى الأهمية الكبيرة التي توليها المؤسسات الأمنية الأمريكية لهذا الملف.
وقبل تنفيذ الضربات الأمريكية في شهر يونيو/حزيران من العام الماضي، اتخذ المسؤولون الإيرانيون عدة إجراءات تهدف إلى حماية المنشآت النووية الحساسة. ومن بين هذه الإجراءات قيامهم بردم مداخل بعض المنشآت الواقعة تحت الأرض باستخدام كميات كبيرة من التراب، بما في ذلك شبكة الأنفاق الموجودة في موقع أصفهان والتي كان يُخزن فيها اليورانيوم.
وبعد وقت قصير من تنفيذ الضربة الأمريكية، رصدت أقمار التجسس الصناعية عالية الدقة تحركات لافتة في الموقع، حيث شوهدت معدات حفر تقوم بنقلها إيران إلى أصفهان. ووفقا لمسؤولين أمريكيين وآخرين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية، بدأت تلك المعدات العمل للوصول مجددا إلى الأنفاق الواقعة تحت الأرض.
كما لاحظ باحثون في معهد العلوم والأمن الدولي في وقت سابق من هذا العام زيادة ملحوظة في النشاط على الطريق المؤدي إلى مداخل الأنفاق في الموقع النووي. وأشار الباحثون في تقرير لهم إلى أن بعض هذه المداخل كانت تُدفن بالتراب في إطار إجراءات تحضيرية محتملة لهجمات عسكرية، وهي خطوة مشابهة للإجراءات التي اتخذتها إيران قبل الضربات التي وقعت في يونيو/حزيران 2025.