أعاد التقارب المتسارع بين القاهرة وأنقرة خلط الأوراق في شرق المتوسط، وفتح باب التساؤلات داخل إسرائيل حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالتفاهمات السياسية والعسكرية التي وُقّعت خلال العامين الأخيرين لم تُقرأ في تل أبيب كخطوات ثنائية عادية، بل كملامح لمحور إقليمي جديد قد يفرض توازنات مختلفة في المنطقة.
الشرارة الأحدث للقلق جاءت بعد تصريحات للعميد الإسرائيلي المتقاعد أمير أفيفي، الذي تحدث علناً عن مخاوفه من اتفاقات التعاون الاستراتيجي بين مصر وتركيا، معتبراً أن على إسرائيل الاستعداد لسيناريو القتال على جبهتين نظاميتين في آن واحد. ورغم إقراره بأن القاهرة وأنقرة ليستا في حالة عداء مباشر مع تل أبيب، فإنه وصفهما بـ«خصمين محتملين» في أي تحولات مستقبلية.
هذه المخاوف لم تبق في الإطار العسكري الضيق، بل وجدت صدى في الإعلام الإسرائيلي، لا سيما في صحيفة يديعوت أحرونوت التي رأت في الزيارات المتبادلة بين الرئيسين المصري والتركي مؤشراً على إعادة تموضع إقليمي قد لا يصب في صالح إسرائيل. كما حذّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال جلسات مغلقة من تنامي قدرات الجيش المصري، داعياً إلى «مراقبة التطورات عن كثب».
من المصافحة إلى الشراكة
لم يولد هذا التقارب فجأة. فبعد سنوات من التوتر السياسي، بدأت العلاقات تتحسن تدريجياً منذ 2022، قبل أن تبلغ ذروتها بسلسلة زيارات متبادلة في 2024 و2025 بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي و**رجب طيب أردوغان**. وقد تُوّجت هذه اللقاءات بإطلاق مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى، وتوقيع حزمة واسعة من مذكرات التفاهم شملت الاقتصاد والدفاع والطاقة.
بالنسبة لمراقبين، فإن التحول الأبرز تمثل في نقل العلاقة من إطار «تطبيع سياسي» إلى مستوى «شراكة استراتيجية» ذات أبعاد عسكرية واضحة. وهنا تحديداً بدأت التحفظات الإسرائيلية تتصاعد، لأن الحديث لم يعد عن تقارب بروتوكولي، بل عن تنسيق قد يغير موازين القوى شرق المتوسط.
التعاون العسكري… بيت القصيد
الملف العسكري هو الأكثر حساسية. فقد حصلت مصر على طائرات مسيّرة تركية متطورة من طراز “بيرقدار تي بي2”، كما انضمت إلى مشروع تطوير المقاتلة الشبحية التركية “قآن”. وتوسّع التعاون ليشمل إنتاجاً مشتركاً لمسيّرات ومنشآت صناعية للذخائر بعيدة المدى.
هذا المسار دفع صحيفة معاريف إلى التحذير من أن القاهرة لا تكتفي بشراء السلاح، بل تدخل بقوة إلى مجال التصنيع العسكري المتقدم، ما قد يؤثر مستقبلاً على ميزان التفوق الجوي الإسرائيلي.
كما أُجريت مناورات مشتركة بين القوات الخاصة للبلدين في أنقرة، واستؤنفت تدريبات بحرية تحت اسم “بحر الصداقة” بعد توقف دام أكثر من عقد. رسائل هذه المناورات كانت واضحة: هناك إرادة سياسية لترجمة التقارب إلى تعاون ميداني فعلي.
محوران في مواجهة
في قراءة أوسع، اعتبرت مجلة فورين بوليسي أن المنطقة تتجه إلى تنافس بين محورين: الأول تقوده إسرائيل مع حلفاء إقليميين ضمن إطار ما يُعرف بـ«اتفاقات إبراهيم»، والثاني تقوده قوى إقليمية بارزة مثل مصر وتركيا والسعودية، ويميل إلى الحفاظ على بنية الدول القائمة ورفض أي إعادة رسم للخرائط بالقوة.
لا يعني ذلك وجود «تحالف عسكري معلن»، لكنه يعكس تقاطع مصالح في ملفات عدة، من غزة إلى ليبيا والسودان، وصولاً إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي هذا السياق، يُقرأ التقارب المصري التركي كجزء من إعادة تموضع أوسع بعد حرب غزة وتداعياتها.
واشنطن… عامل معقّد
أحد عناصر القلق في إسرائيل يتعلق بعلاقة القاهرة وأنقرة بواشنطن. فكل من السيسي وأردوغان يحتفظان بقنوات اتصال فعالة مع الإدارة الأميركية، ما يحدّ من قدرة تل أبيب على تصوير أي تقارب بينهما كتهديد مباشر يستوجب تحركاً مضاداً من البيت الأبيض.
هذا الواقع يختلف عن حالة إيران، التي يسهل تسويقها في الغرب كخصم تقليدي. أما هنا، فالمعادلة أكثر تعقيداً، لأن الحديث عن دولتين ترتبطان بعلاقات عسكرية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
من الصومال إلى شرق المتوسط
يمتد أثر التقارب أيضاً إلى القرن الأفريقي. فتركيا تمتلك قاعدة عسكرية في الصومال، ومصر تنخرط دبلوماسياً وأمنياً في دعم وحدة الأراضي الصومالية. ومع أي تحرك إسرائيلي في هذا الملف، سيكون من الصعب تجاهل التنسيق المصري التركي المتصاعد.
في المقابل، تحاول إسرائيل موازنة المشهد عبر تعزيز تعاونها العسكري مع اليونان، خصم تركيا التقليدي في شرق المتوسط. زيارات متبادلة وتصريحات عن «ردع الطموحات الإمبراطورية» حملت رسائل غير مباشرة بأن تل أبيب لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اصطفاف جديد.
إلى أين يتجه المشهد؟
حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي عن «تحالف عسكري» بالمعنى التقليدي بين مصر وتركيا. لكن المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بوجود مسار يتجاوز المصالح الآنية إلى إعادة صياغة أوسع للبيئة الاستراتيجية في المنطقة.
الواقع يقول إن إسرائيل تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب بين قوتين إقليميتين كبيرتين تملكان جيوشاً نظامية قوية وحدوداً مباشرة مع بؤر التوتر. وفي المقابل، ترى القاهرة وأنقرة أن التنسيق بينهما يخدم استقرار الإقليم ويحمي مصالحهما الوطنية.
المنطقة إذاً أمام مرحلة إعادة تموضع، عنوانها الأبرز: توازنات جديدة لم تتضح ملامحها النهائية بعد، لكن المؤكد أنها لن تمر مرور الكرام في تل أبيب.