رغم مرور أكثر من عامين منذ عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما زالت التفاصيل تتكشف حول مدى تفوق هذه الفصائل على الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
وفق تحليلات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، استخدم مقاتلو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والفصائل المشاركة في العملية رموزًا تعبيرية "إيموجي" لتنسيق تحركاتهم، ما أظهر فشل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في كشف تحركاتهم في الوقت الحقيقي.
قلوب ونجوم وورود: لغة مشفرة
وقالت المصادر إن كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس تبادلت ليلة الهجوم رسائل تحتوي على رموز مثل القلوب والنجوم، تشير إلى بداية العملية ووجوب التوجه إلى نقاط التجمع المحددة. ووفق التحليلات، أظهرت الرسائل النصية التي تضمنت هذه الرموز أن الهجوم كان معدًا بدقة على 11 قاعدة عسكرية و22 مستوطنة إسرائيلية.
ولفتت التقارير إلى أن الرموز التعبيرية كانت مدمجة ضمن رسائل تبدو عادية، ولم تثير شكوك الرقابة الإسرائيلية، مما أدى إلى تجاهلها وعدم التدقيق فيها. وبعد عملية الهجوم، كشفت أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عبر فحص آلاف الهواتف عن أن هذه الرموز كانت تمثل إشارات سرية لأعضاء النخبة في حركة حماس لتنفيذ خطة الهجوم على فرقة عسكرية إسرائيلية في غزة.
الاستخبارات تعترف بالعجز
أقر مسؤول سابق رفيع في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية باستحالة رصد هذه الرموز في الوقت الحقيقي، قائلاً: "واتساب ليس مثل الرسائل النصية القصيرة، إنه مشفر، ولا يمكن جلب المعلومات في الوقت الفعلي". وأضاف أن الاستخبارات تعالج عادة "معلومات بلا مضمون"، أي حجم الاتصالات دون تحليل مضمونها، ما جعل عملية اكتشاف الرموز شبه مستحيلة.
مصدر مطلع أكد أن الاستخبارات يمكنها فقط ملاحظة حجم الاتصالات، وليس محتواها، وقال: "إذا راجعت الاستخدام مقارنة بليلة عادية، ستلاحظ أن هناك شيئًا مريبًا حدث ليلة 7 أكتوبر".
اتهامات متبادلة داخل إسرائيل
إخفاق الاستخبارات الإسرائيلية دفع إلى توجيه اتهامات متبادلة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والأجهزة الأمنية. إذ رفض نتنياهو تحمل المسؤولية الشخصية عن فشل منع الهجوم، معتبراً ما حدث "فشلاً استخباراتياً"، ولكنه نفى وجود خيانة داخل الأجهزة الأمنية.
وفي جلسة سرية للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أكد نتنياهو أن تقارير الشاباك التي صدرت فجر 7 أكتوبر لم تصل إلى مكتبه إلا بعد أكثر من 4 ساعات، رغم تحذيراتها الحرجة. وأضاف أن رئيس الشاباك السابق رونين بار وصف الأوضاع قبل الهجوم بأنها هادئة، وأن حماس ليست مهتمة بالتصعيد.
وفي المقابل، وجه 5 رؤساء سابقين للشاباك و31 مدير قسم متقاعد رسالة غير مسبوقة إلى نتنياهو، اتهموه فيها بالإضرار بالمؤسسة الأمنية والسعي للتنصل من المسؤولية، فيما رافق ذلك حملة واسعة لنشر نظريات مؤامرة لتحميل الشاباك مسؤولية أحداث 7 أكتوبر.
الدروس المستفادة
تكشف هذه العملية عن قدرة فصائل المقاومة على الابتكار في إدارة المعارك باستخدام وسائل التواصل الحديثة، واستغلال التطبيقات المشفرة لتنسيق هجمات معقدة دون كشفها. وتعكس التقارير أن الاعتماد على مؤشرات كمية للاختراق الأمني دون تحليل مضمون المعلومات يمكن أن يؤدي إلى إخفاقات استراتيجية خطيرة.
كما تشير العملية إلى أن الأمن الرقمي والتواصل المشفر أصبح محورياً في الصراعات الحديثة، ويؤثر على نتائج المعارك حتى مع التفوق العسكري والتكنولوجي للطرف الآخر.
وعلى الجانب الإسرائيلي، تظهر العملية الحاجة الماسة إلى تطوير أدوات تحليل ذكية للرسائل المشفرة ومؤشرات غير تقليدية، فضلاً عن مراجعة آليات التنسيق بين الأجهزة المختلفة لتجنب مثل هذه المفاجآت مستقبلاً.
تظل "رموز الإيموجي" التي استخدمتها المقاومة الفلسطينية في ليلة 7 أكتوبر علامة فارقة في تاريخ الصراعات الإقليمية الحديثة، إذ أظهرت أن الابتكار في الاتصال والتخطيط الميداني يمكن أن يفوق القوة العسكرية التقليدية، ويشكل درسًا للأجهزة الأمنية حول العالم.