شهدت مدن وبلدات محافظة الحسكة، اليوم، مسيرات جماهيرية واسعة شارك فيها آلاف من أبناء المكون الكردي، في تحرك وُصف بأنه من أكبر الفعاليات الشعبية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة. وجابت الحشود الشوارع والساحات الرئيسية، رافعة شعارات تؤكد دعمها لما يُعرف بـ«مقاومة روجافا»، ومطالبة بالاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكردي في سوريا.
وانطلقت المسيرات بشكل متزامن من عدة نقاط مركزية في المحافظة، حيث احتشد المتظاهرون في مدينة الحسكة عند “دوار الحمامة”، فيما خرجت حشود مماثلة في مدينة القامشلي من “دوار سوني”. كما شهدت ساحة “آزادي” في مدينة المالكية (ديريك) تجمعاً كبيراً، بالتوازي مع حشود في ساحة “الشهيد خبات” بمدينة معبدة (كركي لكي).
ولم تقتصر الفعاليات على تلك المدن، إذ شهدت عامودا تجمعاً في “ساحة المرأة”، فيما احتشد مشاركون في مدينة الدرباسية أمام مشفى “الشهيد خبات”، في مشهد عكس اتساع رقعة المشاركة وتنوعها الجغرافي داخل المحافظة.
ورفع المتظاهرون لافتات كُتبت باللغتين العربية والكردية، حملت عبارات تؤكد التضامن مع “روجافا” وتدعو إلى تثبيت الحقوق القومية والسياسية للكرد ضمن أي صيغة دستورية مستقبلية في البلاد. كما رُددت هتافات شددت على أهمية الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية في سوريا، وعلى ضرورة إيجاد حل سياسي شامل يضمن تمثيل جميع المكونات.
وبحسب ما أفاد به مشاركون في المسيرات، فإن هذا التحرك جاء للتعبير عن موقف جماعي يعتبر أن المرحلة الراهنة تتطلب وضوحاً في المطالب السياسية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها الساحة السورية. وأشار عدد من المشاركين إلى أن الحشود الكبيرة تعكس حالة من التماسك الداخلي ورغبة في إيصال رسالة سياسية واضحة بأن الحقوق الدستورية تمثل أولوية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية قادمة.
وأكد آخرون أن الفعاليات اتسمت بالسلمية والتنظيم، حيث سار المتظاهرون ضمن مسارات محددة، وسط حضور شعبي واسع ضم مختلف الفئات العمرية. واعتُبر هذا اليوم مناسبة لإبراز وحدة الصف، وإعادة التأكيد على مطالب يعتبرها المشاركون مشروعة ومتصلة بمستقبل المنطقة ككل.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن حجم المشاركة يعكس حالة تعبئة شعبية واضحة في مدن الجزيرة السورية، ويؤشر إلى استمرار الحراك السياسي والاجتماعي ضمن الأطر الجماهيرية. كما لفتوا إلى أن تنسيق الفعاليات في عدة مدن بالتوقيت نفسه حمل دلالة على وجود رغبة في إظهار وحدة الموقف على مستوى المحافظة.
في المقابل، يرى مراقبون أن مثل هذه التحركات تعكس تعقيدات المشهد السوري، حيث تتداخل المطالب المحلية مع السياقات الإقليمية والسياسية الأوسع. ومع ذلك، تبقى الرسالة الأساسية التي سعت المسيرات إلى إيصالها مرتبطة بالتأكيد على الهوية القومية والحقوق السياسية، في إطار الدعوة إلى حل دستوري شامل يعترف بالتنوع القائم في البلاد.
ويأتي هذا التحرك في ظل مرحلة حساسة تمر بها المنطقة، حيث تتزايد النقاشات حول مستقبل الإدارة المحلية، وشكل العلاقة بين المكونات المختلفة، وآليات تضمين الحقوق ضمن أي دستور جديد محتمل. وبينما تختلف القراءات السياسية لهذه المسيرات، فإن حجم المشاركة فيها يعكس بوضوح أن ملف الحقوق القومية لا يزال في صلب الاهتمام الشعبي في محافظة الحسكة.
وبانتهاء الفعاليات، تفرقت الحشود بشكل منظم، بعد ساعات من التظاهر، وسط تأكيدات من المشاركين على أن الحراك سيستمر بأشكال مختلفة في حال لم تتحقق المطالب التي رُفعت خلال هذا اليوم.