رغم الإعلان عن اتفاق أمني وسياسي بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”، لا تزال ملامح التباين واضحة داخل البنية العسكرية للقوى المسيطرة في شمال شرقي سوريا، مع بروز مواقف رافضة لنزع السلاح أو الاندماج الكامل ضمن الترتيبات الجديدة، في مقدمتها التشكيلات النسائية المسلحة.
فقد أكدت قيادات في “وحدات حماية المرأة” استمرارها كقوة عسكرية مستقلة، ورفضها التخلي عن السلاح في المرحلة الراهنة، معتبرة أن دورها يتجاوز كونه جزءًا من صراع عسكري تقليدي، ليشمل ما تصفه بالدفاع عن الهوية والوجود والحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة الكردية.
وتشير هذه المواقف إلى أن الاتفاق المعلن، والذي يتضمن وقفًا لإطلاق النار وترتيبات لدمج تدريجي للقوى العسكرية والإدارية، لم يحسم بعد مستقبل جميع التشكيلات المسلحة، ولا سيما تلك التي ترى في سلاحها ضمانة أساسية لحماية مكتسباتها خلال سنوات النزاع.
وتربط القيادات النسائية موقفها بجملة من الهواجس، أبرزها غياب ضمانات واضحة تتعلق بحماية الخصوصية السياسية والاجتماعية للمجتمع الكردي، ودور المرأة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية المستقبلية. وترى أن أي تسوية لا تتضمن مستوى من اللامركزية أو الاستقلال الذاتي قد تفتح الباب أمام تراجع هذه المكتسبات.
كما تؤكد هذه التشكيلات جاهزيتها للدفاع عن مناطقها في حال فشل التفاهمات السياسية، مع الإبقاء على خيار السلام مطروحًا في حال أثبتت الترتيبات الجديدة قدرتها على حماية السكان ومنع عودة الانتهاكات. وفي هذا الإطار، تبرز مخاوف من أن تتحول عملية الدمج إلى خطوة شكلية تُفرغ التجربة المحلية من مضمونها، بدل أن تكون مدخلًا لاستقرار طويل الأمد.
وتعكس هذه التصريحات أيضًا عمق الخلاف في تفسير بنود الاتفاق، حيث تشير مؤشرات متعددة إلى وجود قراءات متباينة لطبيعة الدمج وحدوده، وما إذا كان سيشمل حلّ التشكيلات المسلحة بشكل كامل، أم الاكتفاء بإعادة تنظيمها تحت مظلة رسمية مع الاحتفاظ بهوامش استقلال معينة.
ميدانيًا، تزامنت هذه المواقف مع تطورات أمنية متسارعة في مدينتي الحسكة والقامشلي، حيث فُرض حظر تجوال شامل، وشهدت المدينتان إجراءات أمنية مشددة، شملت انتشارًا مسلحًا في نقاط استراتيجية، وانقطاعًا واسعًا في خدمات الاتصالات والإنترنت، إضافة إلى تعطّل عدد من الخدمات الأساسية.
وفي القامشلي، دخلت المدينة في حالة شلل شبه كامل لساعات، وسط تحذيرات من أي تحرك في الشوارع، ما أثار قلقًا واسعًا بين السكان، خصوصًا في ظل غياب معلومات رسمية واضحة حول طبيعة الإجراءات ومدتها. كما سُجلت في الحسكة قيود مشددة على الحركة، رافقها إيقاف بعض المرافق الحيوية، ما زاد من الضغط المعيشي على الأهالي.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت وحدات من وزارة الداخلية السورية الدخول إلى مدينة الحسكة، في خطوة وُصفت بأنها بداية تنفيذ المرحلة العملية من الاتفاق، تمهيدًا لتسلّم المسؤوليات الأمنية في مراكز المدن. وترافق هذا الانتشار مع توترات محدودة، وحملات أمنية شملت اعتقالات في عدد من الأحياء، على خلفيات أمنية متصلة بالوضع المستجد.
هذه التطورات الميدانية أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول مدى تماسك الاتفاق، وإمكانية تطبيقه على الأرض في ظل رفض بعض التشكيلات المسلحة الانخراط الكامل فيه، لا سيما تلك التي تمتلك ثقلًا عسكريًا ورمزيًا داخل المجتمع المحلي.
الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية و”قسد” ينص على وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مراكز المدن، إضافة إلى دمج تدريجي للقوى العسكرية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة. كما يتضمن إعادة تنظيم بعض التشكيلات العسكرية ضمن هيكلية الجيش السوري، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية مع تثبيت الموظفين المدنيين.
ويشمل الاتفاق أيضًا بنودًا تتعلق بتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين، في إطار هدف معلن يتمثل في توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتعزيز الاستقرار.
إلا أن مواقف الرفض الصادرة عن بعض التشكيلات، وعلى رأسها الوحدات النسائية، تكشف عن فجوة بين النصوص المعلنة والواقع الميداني، وتطرح تحديات حقيقية أمام تنفيذ الاتفاق بسلاسة. فنجاح أي تسوية شاملة يتطلب توافقًا فعليًا بين جميع القوى المؤثرة، وضمانات واضحة تطمئن المخاوف السياسية والأمنية والاجتماعية لمختلف المكونات.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مصير الاتفاق، وما إذا كان سيفتح الباب أمام استقرار تدريجي في شمال شرقي سوريا، أم أنه سيواجه عراقيل قد تعيد المنطقة إلى مربع التوتر وعدم اليقين.