تقف سوريا عند مفترق طرق حاسم، تحاول فيه الانتقال من إرث ثقيل من النزاع والانتهاكات إلى مرحلة جديدة عنوانها العدالة والمساءلة وبناء مؤسسات تحترم الحقوق. فقد اتخذت الحكومة السورية خلال العام الجاري خطوات أولية باتجاه إطلاق مسار للعدالة الانتقالية، في محاولة لمعالجة آثار سنوات طويلة من العنف والانقسام.
وشملت هذه الخطوات إنشاء هيئات حكومية معنية بالعدالة الانتقالية، والعمل على كشف مصير آلاف المفقودين، إضافة إلى الإعلان عن نوايا رسمية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد. إلا أن هذه الجهود، رغم أهميتها، ما تزال محاطة بتساؤلات جدية تتعلق بمدى شموليتها وشفافيتها، خصوصًا في ما يتعلق بمحاسبة أصحاب القرار والقيادات العليا.
وتؤكد المعطيات المتداولة أن العدالة المنشودة لا يمكن أن تكون انتقائية أو مقتصرة على أفراد بعينهم، بل يجب أن تشمل جميع الأطراف والمسؤوليات، سواء عن أفعال فردية أو عن سياسات وممارسات مؤسسية ساهمت في وقوع الانتهاكات قبل نهاية عام 2024 وبعده. فالانتقال الحقيقي نحو دولة قانون يتطلب مساءلة شاملة تضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب.
في هذا السياق، صدر إعلان دستوري خلال آذار 2025 شدد على استقلال القضاء، وهو تطور لافت، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُترجم إلى أطر قانونية ومؤسساتية واضحة تتيح محاكمة الجرائم الدولية الخطيرة، وتحدد مسؤولية القيادة العسكرية والمدنية عن الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات النزاع.
وعلى مستوى الانفتاح الداخلي، جرت لقاءات بين السلطات الحكومية ومنظمات مجتمع مدني وخبراء مختصين في مجال العدالة، كما جرى إشراك عدد من الكفاءات القانونية ضمن لجان وطنية. غير أن إشراك الضحايا وذويهم وأصحاب المصلحة بشكل فعّال في تصميم وتنفيذ آليات العدالة لا يزال يمثل تحديًا أساسيًا، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لكيفية ضمان مشاركتهم بصورة حقيقية وليست شكلية.
ميدانيًا، شهد عام 2025 أحداثًا أمنية دامية في عدة مناطق، أبرزها محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة في آذار، ومحافظة السويداء في تموز، حيث أدى تدخل القوات الحكومية على خلفية هجمات وعنف مسلح إلى موجات من العنف القائم على الهوية، طالت مدنيين من مختلف المكونات. ورغم الإعلان عن فتح تحقيقات في هذه الأحداث، فإن مستوى الشفافية حول نتائجها، ودور القيادات العليا فيها، بقي محدودًا.
وفي السويداء تحديدًا، اندلعت اشتباكات مسلحة عقب حوادث خطف متبادلة بين مجموعات محلية، قبل أن تتوسع دائرة العنف مع تدخل القوات الحكومية، وما رافقه من انتهاكات بحق المدنيين، ثم انسحاب تلك القوات لاحقًا وما تلاه من أعمال انتقامية متبادلة. هذه التطورات أعادت إلى الواجهة مخاوف عميقة من عودة العنف الأهلي، وأكدت الحاجة الملحّة إلى محاسبة واضحة وعادلة تمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
أما في الساحل السوري، فقد شهدت المنطقة في آذار 2025 موجة عنف أعقبت تحركات لعناصر من جيش النظام السابق، وأسفرت عن انتهاكات واسعة بحق مدنيين على خلفيات طائفية، ما ترك جراحًا جديدة في مجتمع أنهكته الصراعات.
اقتصاديًا، مثّل رفع العقوبات الدولية عن سوريا خلال 2025 خطوة مهمة لتحسين الأوضاع المعيشية وإعادة الإعمار، إلا أن الواقع الاجتماعي لا يزال بالغ الصعوبة، إذ يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعاني الملايين من انعدام الأمن الغذائي، ما يجعل العدالة الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من أي مسار للعدالة الانتقالية.
وفي هذا الإطار، تُطرح مطالبات بضرورة أن تضمن التشريعات والمؤسسات الجديدة حماية الحقوق الأساسية لجميع السوريين دون تمييز، وأن تُبنى جهود العدالة على معايير حقوق الإنسان، مع تعزيز التعاون مع الآليات الدولية، وإجراء إصلاحات عميقة في القطاع الأمني، تشمل إقصاء المتورطين في الانتهاكات، وفرض هياكل قيادة واضحة ومدونات سلوك صارمة.
وفي خطوة لافتة، بحثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مع وفد من الاتحاد الأوروبي سبل دعم المسار القضائي والإنساني المرتبط بعملها، حيث جرى استعراض مسودة قانون العدالة الانتقالية، وجهود التوثيق، والتحديات القانونية والتمويلية، إضافة إلى مشاريع جبر الضرر والدعم النفسي والطبي والقانوني للضحايا.
بين هذه التحركات والوعود، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح سوريا في تحويل العدالة الانتقالية من شعارات إلى واقع ملموس؟ أم أن الطريق نحو المحاسبة الحقيقية لا يزال طويلًا وشائكًا؟