شهدت عدة دول أوروبية تحركات أمنية مكثفة خلال الأيام الماضية، عقب اندلاع أعمال عنف رافقت مظاهرات داعمة للكرد، على خلفية التطورات الجارية في شمال شرقي سوريا. وتزامنت هذه التحركات مع فتح تحقيقات قضائية، وتشديد الإجراءات الأمنية في عدد من المدن، وسط مخاوف من اتساع رقعة التوتر وتحول الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة.
في بلجيكا، قررت محكمة التحقيق توقيف شخصين يشتبه بتورطهما في حادثة طعن وقعت في ساحة عامة بمدينة أنتويرب، وذلك بعد ساعات من انتهاء مظاهرة مؤيدة للكرد. ووفق ما أُعلن رسميًا، جرى توقيف المشتبه بهما بتهمة محاولة القتل، في حين أُفرج عن مشتبه به ثالث لعدم كفاية الأدلة.
وتعود تفاصيل الحادثة إلى مساء الخميس، عندما اندلعت أعمال عنف في ختام المظاهرة، أسفرت عن إصابة ستة أشخاص بجروح ناجمة عن طعن، نُقل اثنان منهم إلى المستشفى في حالة حرجة لفترة من الوقت. وأفادت السلطات بأن المشتبه بهم أوقفوا بعد وقت قصير من وقوع الحادث، قبل أن يُتخذ قرار قضائي بتوقيف اثنين منهم ومتابعة التحقيق معهما.
وأثارت الحادثة قلقًا واسعًا في أوساط الجالية الكردية في أنتويرب، حيث عبّر عدد من أفرادها عن مخاوف من وجود دوافع متطرفة وراء الهجوم. وتداول شهود عيان روايات تحدثت عن رفع شعارات سياسية ودينية خلال الاعتداء، إلا أن الجهات القضائية شددت على أن أي ربط بالعمل الإرهابي لا يزال سابقًا لأوانه، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة لتحديد الدوافع الحقيقية وخلفيات المتورطين.
وعلى إثر ذلك، عززت الشرطة البلجيكية وجودها في مدينة أنتويرب، ورفعت مستوى التأهب الأمني، بما في ذلك تكثيف الدوريات واستخدام وسائل المراقبة، تحسبًا لأي تطورات محتملة. كما جرى اتخاذ تدابير إضافية بالتزامن مع الدعوات لتنظيم مظاهرات جديدة، سواء للتضامن مع الكرد أو للاحتجاج على أعمال العنف التي شهدتها المدينة.
في ألمانيا، لم يكن المشهد أقل توترًا، إذ خرجت مظاهرات حاشدة في عدد من المدن، أبرزها دورتموند، فرانكفورت، شتوتغارت، هانوفر وبريمن. وشارك آلاف الأشخاص في هذه الاحتجاجات، التي رُفعت خلالها شعارات تندد باستهداف المدنيين وتدعو إلى وقف العنف في شمالي سوريا.
في مدينة دورتموند، فاق عدد المشاركين التوقعات الأولية، ما دفع السلطات إلى استقدام تعزيزات أمنية إضافية. ورغم الطابع السلمي الذي أُعلن عنه للمظاهرة، شهد محيطها مواجهات متفرقة، حيث أُبلغ عن تعرض محال تجارية مملوكة لسوريين لأعمال تخريب، الأمر الذي دفع الشرطة إلى فتح تحقيق لتحديد المسؤولين عن هذه الاعتداءات.
وفي مدن أخرى، سُجلت حوادث مماثلة، إذ شهدت فرانكفورت وشتوتغارت وبريمن مظاهرات كبيرة رافقها انتشار أمني كثيف. وفي بعض الحالات، ألقى مشاركون زجاجات وألعابًا نارية باتجاه عناصر الشرطة، ما أدى إلى تدخل أمني واستخدام وسائل تفريق، أسفر عن إصابات طفيفة وتوقيف عدد من الأشخاص.
أما في هانوفر، فقد قررت الشرطة إنهاء مظاهرة بعد نحو ساعتين من انطلاقها، بسبب ما وصفته بـ”عدم التزام المشاركين بالتعليمات”، مشيرة إلى أن بعضهم ارتدى أقنعة وأقدم على رشق عناصر الأمن بألعاب نارية. وأعلنت توقيف شخصين بتهمة الاعتداء الجسدي على رجال الشرطة.
وتأتي هذه التحركات الأوروبية في ظل تطورات سياسية وأمنية متسارعة على صلة بالملف السوري، ولا سيما بعد إعلان تمديد وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لمدة 15 يومًا. وأكدت الجهات المعنية أن التمديد يهدف إلى خفض التصعيد ودعم الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وتهيئة الظروف اللازمة للاستقرار.
ويرى مراقبون أن التوتر الذي تشهده الساحة الأوروبية يعكس حجم التداخل بين القضايا الإقليمية والواقع الاجتماعي للجاليات في الخارج، حيث تتحول التطورات الميدانية في الشرق الأوسط إلى عامل ضغط داخل المدن الأوروبية، ما يفرض على الحكومات التعامل بحذر مع حق التظاهر من جهة، والحفاظ على الأمن العام من جهة أخرى.
ومع استمرار التحقيقات واتخاذ إجراءات أمنية مشددة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل دعوات متزايدة لضبط الاحتجاجات ومنع انزلاقها نحو العنف، مقابل مطالب باحترام حرية التعبير والتجمع السلمي.