نفت وزارة الخارجية السورية صحة الأنباء المتداولة حول تمديد مهلة اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مؤكدة أن الاتفاق ينتهي في موعده المحدد اليوم السبت، 24 كانون الثاني 2026، في وقت تشهد فيه مدينة الحسكة توتراً أمنياً متصاعداً واستنفاراً عسكرياً من الطرفين.
وأوضح مصدر رسمي في وزارة الخارجية أن ما يُشاع عن تمديد المهلة لا يستند إلى معلومات صحيحة، مشدداً على ضرورة الاعتماد على التصريحات الصادرة عن الجهات الرسمية فقط، في ظل كثافة الأخبار والتسريبات المتداولة بالتزامن مع التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في شمال شرقي البلاد.
ويأتي هذا النفي في وقت كانت فيه تقديرات غير رسمية تشير إلى أن أجواء المفاوضات تميل نحو تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، دون التوصل إلى قرار نهائي، ما عكس حالة من الغموض وعدم اليقين بشأن مصير التفاهمات المعلنة بين الطرفين.
من جانبها، أكدت وزارة الإعلام السورية أنها تتابع بشكل يومي ما يُنشر من تصريحات منسوبة إلى “مصادر” مختلفة، مشيرة إلى أن بعض هذه المعلومات قد يتم توظيفها خارج سياقها الحقيقي، أو لأهداف لا ترتبط بجوهر الحقيقة. وشددت الوزارة على التزام الإعلام الوطني بالمصداقية والدقة، حتى وإن تطلب الأمر التأخر في نشر الأخبار، مؤكدة أن حق الجمهور في المعرفة يجب أن يُقابل بمعلومات موثوقة ومتحقق منها.
وكان الجدل قد تصاعد عقب تداول أنباء عن موافقة الطرفين على تمديد وقف إطلاق النار لفترة إضافية قد تصل إلى شهر، مع ربط هذا التمديد بملفات حساسة، أبرزها ملف معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” وآلية نقلهم خارج الأراضي السورية، إضافة إلى استكمال المشاورات السياسية المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة.
وفي سياق متصل، كانت الرئاسة السورية قد أعلنت، في 20 كانون الثاني الجاري، التوصل إلى تفاهم جديد مع “قسد” حول مستقبل الحسكة، تضمن منح الأخيرة مهلة أربعة أيام للتشاور من أجل إعداد خطة تفصيلية لدمج المناطق الخاضعة لسيطرتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وبحسب ما ورد في بيان التفاهم، لن تدخل القوات الحكومية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، كما لن تنتشر في القرى ذات الغالبية الكردية، على أن تتولى قوات أمن محلية من أبناء المنطقة مهام حفظ الأمن. كما شمل الاتفاق مقترحات تتعلق بالتمثيل السياسي والإداري، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن هيكل الدولة.
وأكد التفاهم التزام الطرفين بدمج جميع القوات العسكرية والأمنية التابعة لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع استمرار النقاش حول التفاصيل التنفيذية وآليات الدمج، إلى جانب تعهدات رسمية تتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد، في إطار ما وُصف بالسعي إلى بناء دولة موحدة قائمة على الشراكة الوطنية.
ورغم هذه التفاهمات، تسود مدينة الحسكة أجواء من الترقب الحذر، مع اقتراب انتهاء المهلة الممنوحة لتنفيذ بنود الاتفاق. وأفادت مصادر محلية بدفع الطرفين تعزيزات عسكرية إضافية نحو محاور التماس في الجهة الجنوبية من المدينة، ما يعكس استعداداً ميدانياً لأي سيناريو محتمل.
ميدانياً، باشرت “قسد” برفع سواتر ترابية وتحصين مواقعها عند المدخل الغربي للمدينة، قرب منطقة “توينة”، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها استعداد لمواجهة محتملة. وفي الوقت ذاته، شهدت أحياء داخل المدينة استعراضات عسكرية وتكثيفاً للدوريات، ترافقت مع حملات دهم واعتقالات في عدد من المناطق.
كما تم تحويل أحد المستشفيات الخاصة في وسط الحسكة إلى مستشفى عسكري، ما أثار مخاوف الأهالي من تداعيات إنسانية محتملة في حال اندلاع مواجهات مسلحة.
وانعكس التوتر الأمني بشكل مباشر على حياة المدنيين، حيث تعاني المدينة من نقص حاد في المواد التموينية الأساسية، بما في ذلك الخبز ومياه الشرب، إضافة إلى فرض حظر تجوال ليلي من السابعة مساء حتى السابعة صباحاً، تسبب بشلل شبه كامل في الحركة الليلية وتقييد النشاط اليومي.
ودفعت هذه الظروف، إلى جانب المخاوف من تصعيد واسع، عشرات العائلات إلى النزوح الجزئي من الأحياء القريبة من نقاط التماس باتجاه مناطق أكثر أمناً، في وقت دعت فيه جهات محلية موظفيها إلى الاستمرار في الالتحاق بأعمالهم رغم التوتر القائم.
على صعيد آخر، سُجل نشاط ملحوظ للتحالف الدولي في محيط الحسكة، حيث جرت عمليات نقل مكثفة لمعتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” من مراكز احتجاز داخل المدينة باتجاه خارج البلاد، بالتزامن مع ذروة التصعيد السياسي والعسكري.
وتشير هذه التحركات إلى أن المشهد في الحسكة لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين نجاح التفاهمات السياسية وعودة التصعيد الميداني، في ظل تضارب التصريحات، وانعدام الوضوح حول مصير اتفاق وقف إطلاق النار مع انتهاء مهلة تنفيذه.