وقفت اليمن على أعتاب مرحلة حاسمة لاستعادة أهم المواقع والمنشآت الاقتصادية، على رأسها منشأة بلحاف في شبوة لتصدير الغاز الطبيعي المسال، أكبر مشروع استثماري في البلاد بتكلفة تجاوزت 5.4 مليار دولار. يشكل المشروع رافدًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، وتشغيله يواجه تحديات كبيرة، منها الأزمة المالية وحاجة الدولة لمواردها الأساسية لمواجهة الاحتياجات التشغيلية والاجتماعية.
تخطط الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لإعادة التفاوض على اتفاقيات أسعار تصدير الغاز الطبيعي المسال، واستئناف المفاوضات التي بدأت عام 2022، في ظل ارتفاع أسعار الغاز خمس مرات خلال ذلك العام تعطلت الجهود السابقة بسبب توقف تصدير النفط الخام إثر استهداف الحوثيين لموانئ التصدير الحكومية في أكتوبر 2022.
توقف بلحاف شكل أكبر اختناقات هيكلية للاقتصاد اليمني، إذ لم تتأثر الدولة بفقدان مورد رئيسي فقط، بل تعطلت منشأة سيادية أسهمت في الموازنة العامة وميزان المدفوعات، ما أضعف قدرة الحكومة على إدارة العجز الخارجي وزاد من هشاشة سوق الصرف، واعتمدت اليمن على المساعدات الخارجية والتحويلات المالية لتغطية الاحتياجات الأساسية.
الصفقات المجحفة وتوزيع العوائد:
أظهرت التقارير أن اتفاقيات امتياز الغاز بين الحكومة وشركة "توتال" وشركائها خلال الفترة 2009-2013 كانت غير عادلة، إذ بلغت قيمة الصادرات 14.5 مليار دولار، حصلت الحكومة على 787 مليون دولار فقط، أي 5% من إجمالي الصادرات، بينما استحوذت الشركة والشركاء على 95% من العوائد هذا التفاوت نجم عن بنود مجحفة في العقود.
ارتفعت صادرات الغاز تدريجيًا من نحو 1 مليار دولار عام 2010 إلى 3.8 مليارات دولار عام 2014، بينما دخلت الإيرادات الفعلية إلى خزينة الدولة بشكل محدود، أثر على العجز الخارجي وزاد الضغط على فاتورة الاستيراد وقلص هامش السياسة المالية في ظل تراجع الإيرادات غير النفطية.
إعلان القوة القاهرة من قبل الشركة في 2015 والصعوبات الأمنية المستمرة أسهمت في تآكل الثقة الاستثمارية وتقليل الموقف التفاوضي لليمن، تسببت بخسائر كبيرة للاقتصاد الوطني.
السيطرة على المنشآت الاقتصادية بعد الحرب:
احتلت القوات الإماراتية والتشكيلات المدعومة من المجلس الانتقالي الجنوبي منشآت اقتصادية متعددة منذ 2015، بينها ميناء بلحاف وموانئ ومطارات في عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى والمخاء وباب المندب. مشروع بلحاف يمثل رافدًا أساسيًا للاقتصاد اليمني، واستعادته تتطلب مسارات واضحة لضمان استقرار التشغيل.
مراجعة العقود والتحديات القانونية:
تتطلب المرحلة ضمان حقوق الدولة السيادية على ثروة الغاز، ومراجعة عقود الشركة لضمان بيع الغاز بالأسعار الدولية، وتعويض الحكومة عن الخسائر السابقة، وضمان ملكية منشآت المنبع للدولة.
إعادة تشغيل المشروع تحتاج نحو مليار دولار لإعادة الصيانة والتأهيل، وفترة ستة أشهر لإعداد الأنابيب والمعدات. كما تتطلب العملية اتفاقًا سياسيًا شاملًا ضمن خريطة الطريق بين الأطراف لضمان استقرار مناطق الإنتاج والتصدير.
تم تمويل الصفقة عبر قرض من بنك أوروبي بضمان احتياطيات الغاز اليمني، حصلت الشركة على شهادة الاحتياطي الغازي مقابل 10 مليارات دولار، بينما كانت حصة اليمن الفعلية مليار دولار فقط، يدل ذلك على التفاوت الكبير في توزيع الأرباح وضرورة تعديل العقود لصالح الدولة.