تعيش مدينة الحسكة، في أقصى شمال شرقي سوريا، حالة من الترقب المشوب بالخوف، مع تصاعد وتيرة ما يمكن تسميته بـ”حرب المعلومات” التي ترافق التطورات الميدانية المتسارعة. وسط هذا السياق، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة بديلة، حيث أسهمت الإشاعات حول “انتهاكات واسعة” و”اجتياحات وشيكة” في إثارة موجة نزوح جماعي، خصوصًا من الأحياء ذات الغالبية الكردية، وسط صراع محتدم بين الأطراف على فرض “الرواية” المسيطرة على الرأي العام المحلي والدولي. ويظهر هذا التصعيد الإعلامي كيف يمكن أن تتجاوز قوة الإشاعات أثر العمليات العسكرية نفسها في خلق الذعر العام بين المدنيين.
تصريحات رسمية تؤجج الخوف
زاد المشهد تعقيدًا عقب تصريحات لعضوة الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، فوزة يوسف، التي حمّلت فيها ما وصفته بـ”الحكومة المؤقتة” المسؤولية عن استمرار إراقة الدماء، وحذرت من هجوم محتمل يقوم به “مرتزقة” يضمّون عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية. هذه التصريحات، التي نُشرت في سياق سياسي متوتر، سرعان ما تم تضخيمها عبر حسابات مناصرة للإدارة الذاتية، وتحولت في الشارع إلى أخبار عن “إبادة ممنهجة” و”تغيير ديموغرافي” وشيك، ما أسهم بشكل مباشر في زيادة موجة الهلع بين السكان. واستُغلت كذلك وسوم مثل “#أنقذوا_الحسكة” من قبل ناشطين لنشر معلومات عن “انتفاضة عشائرية” و”انهيار محتمل” لقوات سوريا الديمقراطية، مستخدمين تسجيلات فيديو قديمة أو مجتزأة لتصوير المدينة وكأنها مسرح تصفيات ميدانية مستمرة.
النزوح الجماعي والهروب من السيناريو الأسوأ
نتيجة هذه الإشاعات، شهدت أحياء مثل المفتي، الصالحية، والناصرة حركة نزوح واسعة باتجاه مدن القامشلي وعامودا والدرباسية. ولم يكن النزوح ناتجًا عن القصف المدفعي المباشر فحسب، بل بسبب مخاوف غذتها الأخبار المتضاربة عن قوائم تصفية واعتقالات عشوائية محتملة من قبل القوى القادمة، بحسب سكان محليين. وأوضح أحد سكان حي المفتي، فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أن ما قرأوه على منصات التواصل الاجتماعي عن الانتهاكات في مناطق أخرى دفعهم إلى اتخاذ قرار سريع لمغادرة منازلهم، خوفًا من أن تُغلق الطرق أو يتعرضوا لأي تهديد مفاجئ. وتشير تقديرات محلية إلى أن عشرات العائلات غادرت منازلها في غضون 48 ساعة فقط، مفترشة العراء في ظل ظروف جوية صعبة، هربًا من ما يُمكن تسميته “الذعر الإشاعي”.
غياب المصادر المستقلة وتضخيم “غرف العمليات الإلكترونية”
تتضاعف آثار الإشاعات في الحسكة مع وجود قيود على التغطية الصحفية المستقلة وصعوبة وصول المنظمات الحقوقية إلى مناطق التماس الساخنة، ما يترك مساحة واسعة لملء الفراغ المعلوماتي عبر ما يُسمى بـ”غرف العمليات الإلكترونية” التي تديرها أطراف النزاع المختلفة. ويجعل هذا الفراغ من الصعب على الأهالي التمييز بين التحرك العسكري الفعلي وبين ما يُصنع إعلاميًا لإثارة الذعر. وتتحول الوسوم والمنشورات إلى أدوات ضغط نفسية، حيث يصبح أثر الكلمة أحيانًا أكثر تأثيرًا من الرصاص نفسه، وهو ما يوضح كيف يمكن للصراع الإعلامي أن يولد نزوحًا قسريًا واسع النطاق.
ردود رسمية وإجراءات حكومية
في سياق متصل، حذّرت وزارة الإعلام السورية اليوم بأنها لن تتهاون مع أي مؤسسة أو منصة، أو صحفي مستقل، أو صانع محتوى يدلي بمعلومات مضللة أو تحريضية. وأوضح معاون وزير الإعلام، عبادة كوجان، أن هذا الإجراء لا يتناقض مع الحريات الصحفية في سوريا، بل يهدف إلى حماية مصداقية الأخبار وضمان سلامة المعلومات المتداولة، مشددًا على أن الضبط الإعلامي يجب أن يصون الصحافة من التضليل دون أن يقيد الحريات المسموح بها في القوانين المحلية.